عراقيون / عمر النعمة
ليست المسابقات القرآنية مجرّد منصات للتنافس في الحفظ والإتقان، بقدر ما تمثّل مرآةً لعمق التحولات الثقافية والاجتماعية في المجتمعات. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة حافظة أم الربيعين في نينوى بوصفها أكثر من فعالية سنوية؛ إنها مشروع يتشكّل بهدوء، ويصنع أثراً يتجاوز حدوده المباشرة.
منذ انطلاقتها عام 2019، أخذت هذه المسابقة تنمو بثبات، مستندة إلى فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: إعادة الاعتبار لحفظ القرآن الكريم كمسار علمي وتربوي منظم، قادر على استقطاب الأجيال الجديدة، ولا سيما الفتيات. ومع مرور السنوات، لم تعد المسابقة مجرد حدث محلي، بل تحوّلت إلى ظاهرة تتسع رقعتها وتزداد رسوخاً في الوعي المجتمعي.
النسخة السادسة جاءت لتؤكد هذا التحول بوضوح لافت. تضاعف أعداد المشاركات ليبلغ نحو 4000 متنافسة، موزعات على 80 مركزاً لتحفيظ القرآن الكريم، ليس رقماً عابراً، بل دلالة على تحوّل حقيقي في الاهتمام العام، وعلى نجاح الفكرة في الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع. هذا الاتساع لا يعكس فقط رغبة في المشاركة، بل يكشف عن بيئة حاضنة باتت تؤمن بقيمة هذا المسار وتدعمه.
وراء هذه الأرقام، تقف منظومة تنظيمية دقيقة، تبدأ بسلسلة اختبارات تمهيدية صارمة، لا تفرز سوى الأكثر إتقاناً. وصول 70 حافظة إلى المرحلة النهائية بمعدلات تفوق 95% ليس مجرد نتيجة، بل هو مؤشر على مستوى عالٍ من الجودة، وعلى أن الحفظ هنا لم يعد تقليدياً، بل يخضع لمعايير علمية واضحة.
هذا البعد الاحترافي تعزّزه أيضاً طبيعة لجان التحكيم، التي تضم خبرات دولية، يتقدمها الشيخ الدكتور شيرزاد عبد الرحمن، بما يمنح المسابقة ثقلاً علمياً ويحصّن نتائجها من أي تشكيك، ويضعها في سياق أقرب إلى المعايير العالمية في هذا المجال.
غير أن التحول الأبرز ربما لا يكمن في الأرقام ولا في آليات التنظيم، بل في الامتداد الذي حققته المسابقة خارج حدودها الجغرافية. انضمام نينوى، عبر هذا المشروع، إلى الاتحاد العالمي للمقارئ القرآنية في جنيف، يفتح باباً جديداً لقراءة هذه التجربة؛ فالمسابقة لم تعد نشاطاً محلياً، بل أصبحت بوابة لحضور دولي يعيد تقديم المدينة بصيغة مختلفة، قائمة على العلم والهوية والثقافة.

وفي لحظة الختام، حيث تُتوّج الفائزة بالمركز الأول وهي من أصحاب الهمم ريم احمد، وجاءت بعدها في المركز الثاني ميرفت فوزي، ثم الثالثة أسماء يونس وسط أجواء إيمانية مفعمة بالتقدير، تجسد الصورة الكاملة للمشروع: احتفاء بالإنجاز الفردي، لكنه في جوهره احتفاء بمسار جماعي طويل من العمل والتراكم.

ولا يمكن إغفال أثر الدعم المؤسسي في ترسيخ هذا النجاح. المبادرة التي قدّمها عضو مجلس محافظة نينوى عبد الله النجيفي، عبر حزمة الجوائز الأكبر منذ انطلاق المسابقة والتي شملت سيارة من نوع BYD، وأكثر من 25 رحلة عمرة، إلى جانب مصوغات ذهبية وأجهزة لوحية لا تندرج فقط ضمن باب التكريم، بل تعكس فهماً لأهمية التحفيز في استدامة هذا النوع من المشاريع.
هذا التلاقي بين الجهد المجتمعي والدعم المؤسسي يفسّر إلى حد كبير قدرة المسابقة على الاستمرار والتصاعد، ويمنحها قابلية للتحول إلى نموذج يمكن البناء عليه مستقبلاً.
في المحصلة، تبدو حافظة أم الربيعين أكثر من مسابقة؛ إنها تجربة تتقاطع فيها التربية بالهوية، ويتحوّل فيها الحفظ إلى فعل ثقافي ممتد، يعيد رسم صورة نينوى ليس فقط كمدينةٍ مثقلة بتاريخها، بل كحاضرة قادرة على إنتاج نماذج جديدة من التميز، والانفتاح على فضاءات أوسع من الحضور والتأثير.