تمهيد
أظهرت الانتخاباتُ الإسرائيلية التي جرتْ في 27/10/2026، فوزًا غيرَ متوقَّعٍ لحزب “الليكود” بقيادة نتانياهو، وكتلتِه اليمينية القومية، مُقيَّدًا بعدم القدرة على تشكيل الحكومة، فيما كنتُ قد توقَّعتُ فوزَ نتانياهو وكتلتِه في هذه الانتخابات فوزًا لا يمكِّنُه من تشكيل الحكومة مع كتلتِه، وفي المقابل، أظهرت الانتخاباتُ الإسرائيلية نتائجَ مُخيِّبَةً لحزب “يشار” وزعيمِه آيزنكوت، الذي كان يأمل فوزًا ساحقًا يُؤهِّلُه لتشكيل الحكومة، وعَزاؤُه الوحيد، هو وكتلتُه الانتخابية، ومن وقَفوا معه، وطبَّلوا وزمَّروا له، في داخل إسرائيل وخارجها، أنّ نتانياهو لا يستطيع تشكيل الحكومة بما لدى كتلته من مقاعد في الكنيست، بل واعتبروا ذلك خسارةً فادحةً له، وتَناسوا أنّهم صَدعوا رؤوسَ العالمين منذ شهور، وتَنبَّؤا بخسارةٍ فادحةٍ لنتانياهو ونهايةِ حكمه، وتقديمِه للمحاكم.
وتوزَّعت المقاعد في الكنيست الإسرائيلي، حسب النتائج النهائية غير الرسمية، كالآتي:
أولا: كتلة نتانياهو، وهي كتلة صهيونية يمينية قومية متديّنة (53 مقعد)
حزب الليكود (بزعامة نتنياهو): 27 مقعد
حزب “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية – بزعامة إيتمار بن غفير) 7 :مقاعد.
حزب “يهدوت هتوراه” “الحريديم” (يهودية التوراة الموحدة) 7 :مقاعد.
حزب “شاس” (لليهود الشرقيين) 6 :مقاعد.
حزب “الصهيونية الدينية” (بزعامة بتسلئيل سموتريتش) 6 :مقاعد
ثانيا: كتلة المعارضة، وهي خليط من توجهات مختلفة ومتناقضة، (48 مقعد) وتشمل الأحزاب التالية:
أ- الأحزاب اليمينية، وهي كتلة صهيونية يمينية قومية، تجمع اليمين المتطرف ويمين المركز (33 مقعد)
حزب “يشار” (بقيادة غادي آيزنكوت) 21 :مقعد
تحالف “بياحد” “معًا” (بقيادة يائير لبيد): 12 مقعد
ب- اليمين الليبرالي، حزب “إسرائيل بيتنا” (بزعامة أفيغدور ليبرمان) 7 :مقاعد
ج- اليسار الإسرائيلي، حزبا العمل وميرتس، كتلة “الديمقراطيون”، وهي كتلة يسارية يهودية-عربية (برئاسة يائير غولان): 8 مقاعد
ثالثا: الكتلة العربية، وهي الكتلة اليسارية القومية، والكتلة الإسلامية (19 مقعد)
أ- القائمة العربية المشتركة، وهي قائمة يسارية (شيوعية)، قومية، عربية-يهودية (بزعامة يوسف جبارين، وأحمد الطيبي، وسامي أبو شحادة): 11 مقعد
ب- القائمة العربية الموحدة، وهي قائمة إسلامية، (بزعامة منصور عباس): 8 مقاعد
هذا التوزيعُ الحرج للمقاعد، وانشقاقُ اليمين الإسرائلي، واضمحلالُ اليسار، وحصولُ عرب 48 على أكبر عددٍ من المقاعد في تأريخه السياسي، يجعلُ مهمةَ تشكيل الحكومة صعبةً جدا، ومفتوحةً لكلِّ الاحتمالات، ومن ضمنها، إعادةُ الانتخابات في مارس القادم.
وسيتناول المقالُ استشرافَ ما يمكنُ أنْ يحدثَ بعد الانتخابات، وفق نتائجِها المعلَنة، وآليةِ تشكيل الحكومة، وطبيعةِ الأحزاب، والصراعاتِ المُزمِنة فيما بينها، في المحاور التالية:
المحور الأول: تحليل النتائج
أفرزت نتائجُ الانتخابات خمسةَ معسكراتٍ سياسية، معسكرٌ يميني متجانس، إذا استثنينا الخدمةَ العسكرية للحريديم، وهو معسكر نتانياهو، وأربعةُ معسكراتٍ من خليطٍ غيرِ متجانس، لا رابط بينها سوى العِداءُ لنتانياهو والسعيُ لإسقاطه، وهي معسكراتُ المعارضة.
فالمعسكر الصهيوني اليميني القومي، المتشكِّل من حزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت، وتحالف “بياحد” بقيادة يائير لبيد، لا يختلف في جوهره عن معسكر نتانياهو في القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالدولة اليهودية، وأمنها، ومستقبلها، بل أن تحالفَ “بياحد” يعتبر التعامل مع القوى السياسية العربية خطًّا أحمر، ناهيك عن إعلان بعض نواب حزب “يشار” عن رفضهم التعويلَ على القوائم العربية في تشكيل الحكومة.
أما المعسكر الصهيوني الليبرالي الذي يمثِّله حزب “إسرائيل بيتنا”، بقيادة أفيغدور ليبرمان، فقد أعلن، بوضوح، أنه لن يجلس في حكومة واحدة مع بنيامين نتنياهو، أو مع الأحزاب الحريدية (المتدينة)، أو مع النواب العرب (أحمد الطيبي)، مشترطًا تشكيلَ حكومة من أحزاب صهيونية فقط (بما يشمل الليكود ولكن بدون نتنياهو).
وأما المعسكر اليساري المعارض، فتمثِّله كتلةُ “الديمقراطيون” اليسارية، المتشكِّلة من حزبي العمل وميرتس (وهو حزب يساري يهودي-عربي)، بزعامة يائير غولان.
وجاء في المبادئ الأساسية لاتفاق الوحدة بين حزبي العمل وميرتس أن إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وأنها دولة يهودية دميقراطية، تكفّل المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها. وأكدت هذه المبادئ أيضا أن الحفاظ على الطابع اليهودي الدميقراطي لإسرائيل يقتضي التوصّلَ إلى حلٍّ سياسي مع الفلسطينيين، على أساس مبدأ حلِّ الدولتَين، وإقامةِ دولةٍ فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
علمًا بأن اليسارَ الإسرائيلي منهَكٌ، بالتزامُن مع هزال تيار العولمة الإسرائيلي والعالمي، فقد دخل اليسار الصهيوني في السنوات الأخيرة حالةً من الترَدّي، حتى كادَ أن ينقرضَ من الخريطة السياسية الإسرائيلية، وسوف لن يكون له تأثيرٌ ملموس في تشكيل حكومةٍ صهيونيةٍ يمينيةٍ، سوى مساندته لتلك المساعي الرامية لإسقاط نتانياهو.
ولو أضفنا إلى هذه المعسكرات المعسكرَ العربيَّ، الذي حقّق تقدما واضحا في هذه الانتخابات، بنسبةِ مشاركةٍ عاليةٍ، وعددٍ أكبر من المقاعد في الكنيست، لوجدنا فرصةً مُؤاتِيةً نادرةً لهذا المعسكر للعبِ دورٍ فاعل في تشكيل الحكومة، وفي أنشطة الكنيست القادمة.
إلا أن العوائقَ أمام هذا الدور كثيرةٌ ومتشعِّبةٌ، ويمكن حصرُها بما يلي:
1- انقسامُ المعسكر العربي إلى يسارٍ قومي يترنَّحُ بين المركز والتطرف، وإسلاميٍّ قوميٍّ معتدلٍ، مُتَّهَمٍ بخلفيتِه الإخوانية، ولِسعَةِ حجمِ الهُوّة بين الطرفين العربيَّين، فإنهما لن يتّفقا على أيِّ شيءٍ سوى العداء لنتانياهو، والسعي لإسقاطه.
2- الاتهاماتُ بالتدخّل الخارجي لصالح القائمة العربية المشتركة اليسارية، وشراءِ الأصوات بأموالٍ أجنبية، في بعض المواقع الانتخابية، وهي اتهاماتٌ قيدُ التحقيق، وأعتقد أنها لن تؤثِّر على نتائج الانتخابات، إلا أنها، حتمًا، ستغلقُ الطريقَ على اليمين الصهيوني المعارِض، بقيادة آيزنكوت، في التعويل على التيار العربي (اليساري والإسلامي) لتشكيل الحكومة.
3- قانونُ القومية اليهودية، والمادةُ (7أ) من القانون الأساس الإسرائيلي، يبقى، دومًا، حجرَ عثرة، أو أداةَ إعاقة، أمام دورٍ فاعل لعرب 48 في السلطة والكنيست الإسرائيلي، إذ يتطلّب، بموجبهما، الاعترافُ بيهودية إسرائيل، والانخراطُ في حكومة صهيونية بحتة، وهو أمرٌ لا يزالُ صعبًا على التيار العربي السياسي في إسرائيل، لذلك، فدورُ القائمتَين العربيتَين سيكون محدودًا في تشكيل الحكومة الحالية، علمًا بأن بعضَ الحكومات الإسرائيلية السابقة كان يشتملُ على حقائب وزارية عربية، وصعوبةُ المشاركةِ العربية الحالية ناجمةٌ عن ضغوط نتانياهو على قيادات التيار القومي اليميني الصهيوني، وتشويهِ صورتها أمام قواعدها، وذلك لمنع المعارضة من تشكيل حكومة بدعم القوائم العربية.
4- عدمُ وجود مشتركات سياسية واقتصادية بين المعسكر العربي والمعسكر الصهيوني اليميني المعارِض، يمكنُ أن يكونَ أساسًا لمشروعٍ حكومي مشترَك، سوى عداء الطرفين لنتانياهو، الذي لا يُعقَلُ أن يكون سببًا يتجرَّدُ الطرفان عن استراتيجياتهما من أجله.
ويجدرُ بالمعسكر العربي، بِشِقَّيه اليساري والإسلامي، أن يعيَ واقعَ حالِه في ظلِّ نظامٍ صهيوني يؤسّسُ دولةً يهوديةً، وأن يصبَّ جهدَه في رفعِ مستوى الرّفاه للعرب في إسرائيل، وزجِّ أكبر عددٍ ممكن من الشباب في إدارات المؤسسات والدوائر الرسمية، لإعداد رجالِ دولةٍ، وقادةِ إدارةٍ، ورواد أعمالٍ، وأن يبذلَ قصارى جهدِه لحماية النسل العربي، ثقافيا وعقائديا وقوميا، من الذوبان في المجتمع اليهودي، وأن لا ينشغلَ بما يعيق دوره ووجوده القومي والإسلامي، وعليه أن يتحيّن الفُرص لتعزيز وحدته واثبات وجوده وتحقيق تأثيره على الواقع السياسي الإسرائيلي، مستقبَلاً.
وعودًا إلى معسكر نتانياهو، الصهيوني اليميني القومي، الذي حصل على نتائج خالفتْ معظمَ التوقُّعاتِ، فإنه أثبتَ وجودَه ودورَه الفاعلَ في مستقبل السياسة الإسرائيلية، على الرغم من عدم حصوله على الأكثرية اللازمة لتشكيل الحكومة، وذلك، لانقسام اليمين القومي الإسرائيلي على نفسه منذ سنوات عديدة، واضمحلال اليسار الإسرائيلي، مما تطلب تشكيل حكومات ائتلافية بعد مشاروات مُضنية، بل وبعد الاضطرار إلى إعادة الانتخابات عدّة مرات.
وأهمُّ ما يُميّزُ هذا المعسكر، أنه متجانسٌ، على خلاف معسكر المعارَضة، فهو معسكرٌ يميني قومي ديني متطرف، تربطُه العقيدةُ والقوميةُ اليهوديةُ، ويتبنّى مشروعًا عقائديًّا يهدفُ إلى تأسيس دولةٍ يهودية، وفق نبوءة “يهوا”، وهو يمارس عملَه على رأس السلطة الإسرائيلية، لضمان أمن إسرائيل، ولا ينوي التخلّي عنه، بعد هذا الفوز غيرِ المُتوقَّع، وقربِه الشديد من تشكيل الحكومة.
المحور الثاني: السيناريوهات المحتملة
لا تخرج احتمالاتُ وسيناريوهاتُ تشكيل الحكومة الإسرائيلية عما يأتي:
* حكومةُ أقليةٍ من حزب “يشار”وتحالف “بياحد” و”إسرائيل بيتنا”، بقيادة آيزنكوت، بدعم برلماني خارجي من كتلة “الديمقراطيون”، والقائمتَين العربيتَين، دون المشاركة في الحكومة.
هذا الخيار يصطدم بالمعارضة الشديدة من “بياحد” و”إسرائيل بيتنا” لأيِّ دورٍ عربي في تشكيل الحكومة، وباعتبار ذلك خطَّا أحمر، كما أن نوّابًا من حزب يشار أعلنوا عن رفضهم لهذا الخيار وحذّروا منه.
وهو خيارٌ يتمُّ تَبنِّيه لإسقاط نتانياهو فقط، وبالتالي فهو ردّةُ فعلٍ، وليس مشروعًا حكوميا، وهو خيارٌ لا يختلفُ جوهريًّا عن حكومة نتانياهو الحالية بالنسبة للعرب، وستستمر السياسات الحالية كما هي، تقريبا، مما يؤدّي إلى تصدُّعاتٍ خطيرة في هذا الخيار، عليه.. فهو خيارٌ قلقٌ، وغيرُ مُستدَامٍ.
* حكومةٌ ائتلافيةٌ برئاسة نتنياهو عبر استمالة نوّابٍ أو أحزابٍ يمينية، خاصّةً وأن نتانياهو يحتاج إلى 8 مقاعد لتشكيل الحكومة، وقد يستطيع الحصولَ عليها من الأحزاب اليمينية، إلا أن تعهُّدات أحزابِ المعارَضة وقادتِها ونوّابِها بعدم التعامُلِ مع نتانياهو وملاحقته قانونيا بسبب الفساد، ستُعيقُ محاولات استمالتهم من قبل نتانياهو.
* حكومةُ وحدةٍ صهيونية يمينية واسعة، تتشكّلُ من حزب “الليكود” وحزب “يشار”، وتحالف “بياحد”، دون مشاركة الحريديم، واليمين القومي المتطرف (سموتريتش وبن غفير)، وقد يشاركُ ليبرمان فيها، إذا تشكّلت بدون نتانياهو، وهو خيارٌ تقفُ الموانعُ النفسية لقادة اليمين القومي ضدّه، وقراراتُهم بعدم التعامل مع نتانياهو، والسعيِ لإسقاطه، إلا أن هذا الخيارَ أفضل للمعارَضة لأن الانسدادَ السياسيَّ والذهابَ لإعادة الانتخابات، يعني استمرارُ نتانياهو في الحكم، وبسلطات مقيَّدة على نطاق محدود، وقدرتُه على تشكيل كابينيتِ حربٍ مُصغَّرة مع المعارَضة، في حال نشوب الحرب في المنطقة، وهو أمرٌ يُفترَض أن لا تُحبِّذه المعارَضةُ.
* الانسدادُ السياسي والتوجّهُ لانتخاباتٍ جديدة، ففي حال استنفادِ المُهَلِ القانونية (التي قد تمتد لأسابيع)، وعجزِ الجميع عن التوافُق، يُحَلُّ الكنيستُ تلقائيًّا وتُعادُ الانتخابات، في مارس القادم، وهو خيارٌ سيِّئٌ للمعارضة، بعد أن تبيّن لها وضعُ نتانياهو في الشارع الإسرائيلي، كما أن هذا الخيارَ يتيحُ لنتانياهو الاستمرارَ في الحكم لعدّة أشهرٍ أخرى، وهو ما لا تتقبَّله المعارَضةُ.
ورجَحانُ خيارٍ على آخرٍ يعتمدُ على عدّة عوامل، فرضتْها وقائعٌ وأحداثٌ سياسية محلية وتطوراتٌ جيوسياسية إقليمية، وطبيعةُ علاقة الإدارتَين الإسرائيليةِ الأمريكيةِ، ومن أهمِّها:
1- قدرةُ المناورة لدى الأحزاب والكتل السياسية، وطبيعةُ المفاوضات والمشاورات والتنازلات والتفاهمات بينها، وترجيحُ المصالح الحزبية والوطنية.
2- دورُ الرئيسِ ترامب في تحقيق حكومة يمينية واسعة من أحزاب اليمين الصهيوني القومي.
3- مواقفُ اللوبيات الصهيونية حيالَ كلٍّ من نتانياهو وآيزنكوت، وضغوطُها عليهما.
4- التغييراتُ التي قد تحصل في مواقف الأحزاب العربية حيالَ نتانياهو ومعارضيه، والتغييراتُ التي قد تطرأُ على الأحزاب اليمينية القومية حيالَ الأحزاب العربية.
ويصعبُ، جدًّا ترجيحُ خيارٍ على آخر، وإن كان بعضُ الخيارات أكثرَ احتمالًا في التحقُّق من بعضها الآخر، إلا أن حساسيةَ الأوضاع السياسية في إسرائيل وخارجها، تفتحُ الأبوابَ على مصراعيها أمام كافة الخيارات والاحتمالات.
إلا أنني أعتقدُ أن نتانياهو سيستمرُّ في الحكم، بصيغةٍ أو بأخرى، وذلك لإتمام ما بدأه من مشاريعَ ومهمّاتٍ في إسرائيل والشرق الأوسط، وبالتعاون مع الرئيس ترامب، وبدعم جهاتٍ نافذةٍ في اللوبي اليهودي العالمي.
المحور الثالث: استراتيجية الحكومة القادمة حيال قضايا الشرق الأوسط
ستتشكّلُ الحكومةُ في إسرائيل، على أيّةِ حالٍ، عاجلًا أم آجلًا، برئاسة نتانياهو أو آيزنكوت، وستمارسُ عملها وفق آيديولوجيات الأحزاب المشكِّلة لها.
وستكون الحكومةُ القادمة، حكومةً صهيونيةً يمينيةً قوميةً، في كلِّ الأحوال، نظرا لتلاشي اليسار الإسرائيلي، وابتعاده عن السلطة، وتحييدِ الدور العربي من قبل اليمين اليهودي، وستستمرُّ في اتخاذ نفس السياسات حيال القضايا الأساسية التي تمسُّ مصالح الدولة اليهودية، سواء كان نتانياهو رئيسا للوزراء أو آيزنكوت، فالفرق بين منظوريهما حيال النظام الإيراني، وقطاع غرة، وجنوب لبنان، والضفة الغربية، وسوريا، وقضايا الشرق الأوسط، ليس جوهريًّا، وإنما اختلافاتٌ تكتيكية في الشكل والأسلوب وطبيعة التعاطي معها، فهما يهدفان إلى الخلاص من النظام الإيراني ووكلائه، وبسطِ النفوذ في سوريا، وسيناء، والتطبيعِ مع العرب، والتعاملِ المتّزِن مع تركيا وقبرص وأذربيجان، فمشكلةُ اليمين المعارِض هي شخصُ نتانياهو، واختلافُه معه اختلافٌ حزبي وليس اختلافًا فكريًّا أو أيديولوجيًّا.
ومن الجدير بالذكر أن نشيرَ إلى مِيزةٍ جوهريةٍ تُميّزُ معسكرَ نتانياهو عن معسكر المعارَضة، فمعسكرُ نتانياهو تشكيلٌ مُتجانِسٌ، لديه مشروعٌ مَضى في تنفيذه، واقتربَ من نهايته، بينما يُعاني معسكرُ المعارَضةِ من التوجُّهاتِ المُتعارِضة، والاختلافات الجذرية، والتشتُّتِ السياسي، ويفتقرُ إلى مشروع سياسي قومي، يُمكِّنُه من تحقيقِ أهدافه، وأداءِ دوره بجدارة في صراعات الشرق الأوسط.
الخاتمة
خلَصت المقالةُ إلى أن اليمينَ القومي الصهيوني يتحكَّمُ بمعظم مقاعد الكنيست، وأن الحكومة القادمة ستكون صهيونيةً يمينيةً، وأن انشقاقَ اليمين القومي يُعقِّدُ تشكيلَ الحكومة.
وخلَصت، كذلك، إلى أنه ليس هناك خلافٌ جوهري بين معسكر نتانياهو اليميني والمعسكر المعارِض له حيال القضايا الاستراتيجية التي تمسُّ مستقبلَ الدولة اليهودية، وأن الحكومةَ ستتشَكَّلُ، إنْ عاجلًا أو آجلًا، وأن السياسات الخارجية والأنشطة الأمنية الإسرائيلية لن يطرأ عليها أيُّ تغييرٍ يُذكَر.
كما وخلَصت إلى أن وحدةَ التيار العربي في إسرائيل يمكنُ أن تؤدّيَ إلى دورٍ فاعل في إحقاقِ الحقوق، ورفاهِ المجتمع العربي، وتطويرِ شبابه، وحمايةِ نسله، في ظلِّ القانون الأساس الإسرائيلي، والتحدِّيات الصهيونية اليمينية، ناهيك عن قُدرتِها على التنسيق مع التيارِ اليساري الإسرائيلي، ومنظماتِ المجتمع المدني الحقوقية والإنسانية.
وتُوصي المقالةُ بضرورة اطّّلاعِ المسلمين، والعرب منهم بالأخص، على الواقع السياسي والاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي، ومتابعةِ الأحداث السياسية فيه، وتشخيصِ وقائع المجتمع الإسرائيلي كما هي، وليس كما يَشتهيها المسلمون والعرب.
وتُوصي، كذلك، ببناءِ مواقفَ جديةٍ وواقعيةٍ وموضوعيةٍ تجاه المدِّ الصهيوني القومي اليميني الجارفِ الذي سيغزو الشرقَ الأوسط، والسَّعْيِ لتأسيس مشروعٍ وطني، إسلامي قومي، ليكون سدًّا منيعًا ضدَّ هذا المدِّ الجارفِ اللاإنساني.
د. شوان زنگنه
31/10/2026