عراقيون / عمر النعمة
يُنظر إلى مطار الموصل (الدولي) بوصفه أكثر من مجرد منشأة خدمية؛ فهو نافذة حيوية يتنفس منها أهالي المدينة نحو العالم، وعلامة بارزة في مسار التعافي الذي تعيشه نينوى. فالمطار، عند دخوله الخدمة، لا يمثل فقط وسيلة نقل، بل رافعة اقتصادية تُسهم في تنشيط الاستثمار والتجارة، وتفتح مجالات أوسع للحركة والسياحة والتواصل، بما يعزز حضور المحافظة على مختلف الصعد.
ضمن هذا السياق، شكّل إعلان محافظ نينوى عبد القادر الدخيل في تشرين الأول 2025 عن اكتمال المطار بنسبة 100%، والتأكيد على جاهزيته للتشغيل مطلع تشرين الثاني من العام ذاته، محطة مهمة في مسار المشروع. غير أن واقع الحال أظهر تأخراً في دخول المطار حيّز التشغيل الفعلي، الأمر الذي أثار تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام حول طبيعة التحديات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف ضمن الإطار الزمني المعلن.
تتداخل في هذه الإشكالية عدة عوامل، من بينها ما يتعلق باستكمال بعض المرافق العامة، وما يرتبط بمتطلبات التشغيل الفني وفق المعايير الدولية المعتمدة في قطاع الطيران. فالمطارات، ولا سيما تلك المصنفة (دولية)، لا تقاس جاهزيتها بالإنشاءات فقط، بل بمدى استيفائها لشروط دقيقة تشمل أنظمة الملاحة الجوية، وإجراءات السلامة، والتجهيزات الأمنية، فضلاً عن اعتمادها من الجهات المختصة، وفي مقدمتها سلطة الطيران المدني العراقي.
وفي هذا الإطار، يبرز التساؤل حول سبب عدم تسيير رحلات إلى دول الجوار كالأردن وتركيا والسعودية، رغم ما يُطرح بين الحين والآخر عن وجود شركات تشغيل مهتمة بالدخول إلى السوق. إذ تشير المعطيات إلى أن بعض هذه الطروحات لم تصل إلى مراحل متقدمة من التعاقد والتنفيذ، فيما قد تلعب اعتبارات فنية وتشغيلية، إلى جانب محدودية الطلب في المرحلة الأولى، دورًا في تأجيل هذه الخطوات.
كما أن الحديث عن التعاقد مع شركات تشغيل وأمن ذات سمعة دولية يظل عاملاً مهماً في تسريع وتيرة الاعتماد والتشغيل، إذ إن الالتزام بالمعايير العالمية من شأنه أن يحدّ من أي ملاحظات فنية أو تنظيمية قد تعيق انطلاق العمل.
ومن المهم في هذا السياق عدم اختزال المسؤولية في جهة واحدة، فمشاريع بهذا الحجم تتوزع فيها الأدوار بين جهات تنفيذية ورقابية وتنظيمية، ما يستدعي مقاربة متوازنة تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة كل دور وحدوده. فسلطة الطيران المدني، على سبيل المثال، تضطلع بمهمة الإشراف والتنظيم ومنح الموافقات، لكنها لا تتولى التنفيذ المباشر لكافة تفاصيل المشروع.
أما فيما يتعلق بما تم تداوله حول تسيير رحلات مباشرة للمعتمرين من الموصل إلى جدة، فتشير الوقائع إلى أن هذه الرحلات لم تكن مباشرة بالشكل المتصور، حيث يجري انتقال المسافرين عبر مطار بغداد قبل التوجه إلى وجهتهم النهائية، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها المطار.
في موازاة ذلك، دخل الملف أروقة مجلس النواب، حيث عبّر عدد من نواب نينوى عن استيائهم من استمرار التأخير، داعين إلى تسريع وتيرة الإنجاز ومحاسبة الجهات المقصرة، ومؤكدين أهمية المطار في دعم التنمية الاقتصادية للمحافظة. ويعكس هذا الحراك الرقابي حجم الاهتمام الذي يحظى به المشروع على المستويين المحلي والوطني.
ومع تصاعد النقاش، بادر محافظ نينوى إلى عقد اجتماع موسع لمتابعة ملف التقرب الملاحي، بحضور ممثلي الشركة المنفذة، حيث تم التوصل إلى حلول نهائية في هذا الجانب، وبدأت الشركة أعمالها فعليًا في السابع من أيار 2026 لإعداد إجراءات التقرب الملاحي (IFP)، وهي خطوة فنية أساسية في طريق استكمال متطلبات التشغيل.
في المحصلة، يبدو أن مطار الموصل (الدولي) يقف اليوم عند نقطة تقاطع بين ما تحقق على صعيد البنى التحتية، وما يتطلبه التشغيل الفعلي من استكمال للإجراءات الفنية والتنظيمية. وبين التفاؤل المشروع بإنجاز هذا الصرح، والحاجة الواقعية إلى استيفاء المعايير الدولية، تبقى المعالجة الهادئة والمتوازنة، القائمة على الشفافية والتكامل بين الجهات المعنية، هي السبيل الأمثل لوضع المطار على سكة العمل الفعلي، بما يلبي تطلعات أهالي نينوى ويعزز مسار تعافيها.