Posted in

إنذار نهائي: واشنطن تشهر “سلاح التجويع” بوجه بغداد.. فككوا الفصائل فوراً أو استعدوا لانهيار الدولة

منذ أسابيع، تنزل إلى بغداد رسائل ثقيلة لا تُقال كلّها في البيانات، لكنّ خلاصة ما تحمله باتت معروفة: لا حكومة عراقية مدعومة أمريكيا إذا جلست الفصائل المسلحة في قلب الكابينة. في الخلفية تتحرّك ما يمكن تسميتها بـ”معادلة ترامب المستحيلة”، التي تريد من بغداد في الوقت نفسه تفكيك نفوذ الفصائل، وضبط الحدود، وحماية المصالح الامريكية، ومنع الانهيار الاقتصادي، من دون أن تُمنح الحكومة هامشا حقيقيا للمناورة. بالتوازي، يجلس صانع القرار في بغداد أمام مشهد معقّد؛ فالقوى الأكثر نفوذا في تشكيل الحكومة الجديدة هي نفسها التي تضع واشنطن حولها خطوطا حمراء واضحة، فيما الاقتصاد العراقي ما يزال مربوطا بأنبوب دولار، وبمساعدات وتفاهمات امنية لا يمكن القفز من فوقها بسهولة.

بين هذين القطبين، يبرز سؤال جوهري: ماذا يعني أن يقرّر العراق تجاهل هذه الشروط، والمضي بحكومة يشكّل السلاح جزءا من عمودها الفقري؟

شروط غير مكتوبة.. لكن حدودها مرسومة بدقّة

التسريبات السياسية والقراءات الدبلوماسية الأخيرة تتقاطع عند نقطة واحدة: الولايات المتحدة لا تريد أن ترى فصائل مصنّفة أو مهدّدة بالعقوبات داخل الوزارات السيادية أو الحلقة الضيقة حول رئيس الحكومة.

التعبير الأوضح عن هذه الرسائل يظهر في لقاءات القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد جوشوا هاريس مع قادة النظام السياسي؛ إذ ينقل أكثر من مصدر سياسي، فضلا عن البيانات الرسمية، أنّ الرجل يتحدّث بعبارة مباشرة ومختصرة: “تفكيك ولا مشاركة” في ما يخص الفصائل المسلحة، أي تفكيك البنية العسكرية وعدم إشراك ممثلي هذه التشكيلات في مفاصل القرار التنفيذي والأمني. لكنّ اللافت، في المقابل، أنّ بيانات معظم قادة النظام السياسي بعد هذه اللقاءات تتجاهل هذا المطلب كليّا، وتكتفي بعبارات عامة من قبيل “بحث العلاقات الثنائية” و”مناقشة الأوضاع السياسية”، في تجاهل صريح لجوهر الرسالة الأمريكية.

إلى جانب ذلك، تتحدّث تقارير سياسية عن إيصال رسائل أكثر حدّة إلى بعض القيادات، مفادها أنّ إشراك فصائل مرتبطة بإيران في الحكومة المقبلة سيضع العلاقات في “اختبار حقيقي”، وأنّ منح أي وزارة سيادية أو أمنية إلى شخصيات محسوبة على هذه الفصائل قد يدفع الولايات المتحدة إلى خفض مستوى التعامل مع الحكومة الجديدة أو تجميد بعض مسارات الدعم.

بهذا المعنى، قد لا يكون هناك نص مكتوب يوقَّع بين بغداد وواشنطن حول شكل الكابينة، لكنّ الإشارات العملية واضحة: كلّما اقتربت الفصائل المسلحة من الحكومة، ابتعد الغطاء الأمريكي خطوة عن بغداد.

من التصنيف إرهابيا إلى خنق الشبكات المالية

الشروط السياسية ليست منفصلة عن منظومة ضغط كاملة تبنيها واشنطن منذ أشهر على الفصائل وحلفائها:

  • تصنيف عدد من الفصائل العراقية المدعومة من إيران كمنظمات إرهابية أجنبية، بما يفتح الباب أمام ملاحقات أشدّ، ويحوّل أي تعامل رسمي معها إلى عبء على الحكومة أمام المؤسسات الأمريكية والدولية.
  • فرض عقوبات متتالية على شبكات من شركات ورجال أعمال ومصارف عراقية متهمة بتمويل الفصائل أو العمل كواجهات اقتصادية لها، وهو ما خلق واقعا جديدا داخل السوق، وجعل أيّ تقاطع بين الحكومة وهذه الشبكات خطرا مباشرا على النظام المصرفي وعلى ملف الدولار.
  • استخدام ملف الدولار ونافذة بيع العملة أداة ضغط صريحة؛ إذ يمكن لأي تشديد جديد على المصارف أو القيود على التحويلات الخارجية أن ينعكس فورا على سعر الصرف، وعلى قدرة التجار على تمويل الاستيراد، وبالتالي على الشارع وأسواقه.
  • ربط جزء من التعاون الأمني والعسكري مع العراق بشرط واضح: تقليص القدرة العملياتية للفصائل المسلحة التي تعمل خارج بنية القوات الرسمية، وعدم السماح لها بالتغلغل في مفاصل الجيش والشرطة والأجهزة الحساسة.

كل هذه الخطوات تجعل من ملف مشاركة الفصائل في الحكومة أكثر من مجرّد خيار سياسي داخلي؛ إنّه نقطة تلتقي عندها العقوبات، وسعر الصرف، ومستقبل المساعدات، وربّما شرعية الحكومة في عيون العواصم الغربية.

حكومة بين سلاح الداخل وعصا الخارج

على الورق، تمتلك بغداد “اتفاقية إطار استراتيجي” مع واشنطن تتحدّث عن تعاون في الأمن والاقتصاد واحترام السيادة العراقية. لكنّ الواقع يضيف بندا غير مكتوب: لا تعاون بلا حدّ أدنى من انسجام الحكومة مع الرؤية الأمريكية لمستقبل الفصائل.

في المقابل، الفصائل ليست جسما هامشيا في السياسة العراقية؛ بل هي جزء من تحالفات انتخابية وكتل برلمانية، ولها جمهور وقوّة مسلّحة وامتدادات داخل مؤسسات الدولة. أي حكومة جديدة تحتاج أصوات هذه الكتل لتُمنح الثقة، وتحتاج سلاحها لعدم الانقلاب عليها من الشارع المسلّح في لحظة صدام.

النتيجة أنّ رئيس الوزراء المقبل – أيّا كان اسمه – سيقف على حافة معادلة خطيرة:

  • إذا رضخ بالكامل للشروط الأمريكية وأبعد الفصائل عن الكابينة والوزارات الحسّاسة، يخاطر بخسارة دعم كتل رئيسية قد تعرقل حكومته أو تفجّر تحالفه البرلماني.
  • وإذا تجاهل هذه الشروط ومضى بحكومة ثقيلة بالفصائل، يخاطر بحزمة عقوبات وضغوط مالية وفتور أمني قد يضع البلاد مرّة أخرى على حافة أزمة دولار، وتشدّد في ملف المصارف والتحويلات، وربّما خفض مستوى التعاون العسكري والاستخباري في مواجهة التنظيمات المتطرّفة.

في ذهن الشارع، الصورة أبسط وأكثر قسوة: الأمريكي الذي استطاع في ساعات، في تجربة دولة أخرى، أن يغيّر المعادلة على الأرض ويضع يده على مفاصل الثروة والنفط، يستطيع أن يستخدم الأدوات نفسها – ماليا وسياسيا – إذا قرّر أنّ بغداد لا تسمع رسائله هذه المرّة.

تجاهل الشروط ليس “خيارا بلا ثمن”

الباحث في الشأن السياسي علي الجبوري يلخّص هذا المأزق بلغة تحذيرية واضحة.

يقول الجبوري لـ”بغداد اليوم” إنّ “الشروط الأمريكية المتعلقة بمنع مشاركة أي من الفصائل المسلحة في الحكومة العراقية الجديدة تمثل رسالة سياسية واضحة وحازمة تهدف إلى إعادة ضبط مسار العملية السياسية وتعزيز مفهوم الدولة ومؤسساتها الرسمية”.

ويضيف أنّ “الولايات المتحدة ترى أن إشراك الفصائل المسلحة، ولا سيما تلك التي تمتلك أجنحة عسكرية خارج سيطرة القائد العام للقوات المسلحة، يعد تهديد مباشر لاستقرار النظام السياسي ويقوض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهذه الشروط ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوح وتشدد في المرحلة الحالية”.

وبرأيه، واشنطن لا تتعامل مع هذا الملف كقضية ثانوية؛ بل تربط “مستقبل تعاونها الأمني والاقتصادي مع بغداد بمدى التزام الحكومة المقبلة بإبعاد التشكيلات المسلحة عن مراكز القرار التنفيذي والأمني”، مؤكّدا أنّ هذا الموقف “يعكس قناعة دولية متزايدة بأن استمرار ازدواجية السلاح داخل الدولة العراقية يضعف ثقة المجتمع الدولي، ويعرقل جهود الإصلاح الاقتصادي، ويؤثر سلبا على فرص جذب الاستثمارات الأجنبية”.

الجبوري يحذّر من أن “عدم الالتزام بهذه الشروط قد يعرض العراق إلى تداعيات خطيرة، من بينها تقليص الدعم الدولي، وفرض قيود أو عقوبات اقتصادية غير مباشرة، إضافة إلى تراجع التعاون الأمني والاستخباري”، لافتا إلى أنّ المخاطر لا تتوقف عند الخارج؛ “إشراك الفصائل المسلحة في الحكومة قد يؤدي إلى تعميق الانقسام السياسي، وإضعاف هيبة المؤسسات الرسمية، وخلق صراعات داخل مراكز القرار بين منطق الدولة ومنطق السلاح”.

بهذا المعنى، لا يرى الجبوري أنّ بغداد أمام “ترف تجاهل” الشروط؛ بل أمام معادلة كلفة: كل خطوة في اتجاه السلاح داخل الحكومة لها مقابل في كفّة الدعم الدولي والاستقرار الاقتصادي.

من “نزع السلاح بعد الانسحاب” إلى واقع مزدوج على الأرض

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني يحاول، في المقابل، تقديم سردية مهدِّئة؛ فقد صرّح في أكثر من مناسبة بأنّ نزع سلاح الفصائل بالكامل ممكن فقط بعد اكتمال انسحاب قوات التحالف بقيادة واشنطن من العراق، والمفترض أن يكتمل في أفق زمني محدد، معتبرا أنّ وجود القوات الأجنبية جزء من مبرّرات بقاء السلاح خارج الدولة، ومشيراً إلى أنّ الفصائل إمّا أن تُدمَج في المؤسسات الرسمية أو تتحوّل إلى أطر سياسية صِرفة.

لكنّ هذه السردية تصطدم بحقيقة أنّ واشنطن تتحرّك الآن، لا بعد سنوات؛ من خلال:

  • تصنيف فصائل بعينها إرهابية، ما يجعل أي دور حكومي لها عبئا قانونيا ودبلوماسيا.
  • خنق شبكات المال التي تموّلها داخل العراق وخارجه.
  • ربط المساعدات الأمنية والتسهيلات الاقتصادية بسلوك الحكومة تجاه هذه الفصائل، وإيصال رسائل عبر القائم بالأعمال ومؤسسات أخرى بأنّ “شكل الحكومة” هذه المرّة لن يكون تفصيلا ثانويا في دفتر العلاقات الثنائية.

النتيجة أنّ الحكومة المقبلة لن تمتلك ترف الانتظار إلى حين انسحاب آخر جندي أمريكي؛ لأنّ الاختبار الحقيقي سيكون مع أوّل تشكيلة وزارية، وأوّل اسم يتسلّم حقيبة أمنية أو سيادية وله صلة مباشرة أو غير مباشرة بفصيل مسلّح.

أيّ خيار أمام بغداد؟

لا توجد وصفة جاهزة، لكن يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية:

  1. مسار التجاهل الكامل
    حكومة تُشكَّل بميزان القوى الداخلي فقط، تعطي الفصائل حصّتها الكاملة في الوزارات والهيئات، وتراهن على أنّ واشنطن مضطرة في النهاية للتعامل مع “الواقع كما هو”. هذا المسار يعني استعدادا لتحمّل:

    • تشدّد أكبر في ملف الدولار والمصارف
    • توسّع دائرة العقوبات على رجال أعمال وشركات ومؤسسات رسمية
    • فتور أو خفض في مستوى التعاون الأمني والعسكري
    • صورة حكومة “متمرّدة” على الإجماع الدولي في ملف السلاح
  2. مسار المناورة
    حكومة تحاول تدوير الزوايا:

    • تقليل ظهور الفصائل في الواجهة الوزارية
    • استبدال الأسماء المباشرة بوجوه وسطية أو تكنوقراط محسوبين على هذه القوى
    • إبقاء نفوذ السلاح في الخلفية عبر المستشارين والمديرين والوكلاء والعقود
      في هذا السيناريو، قد تتجنّب بغداد صداما مباشرا، لكنها لن تُقنع واشنطن بالكامل، ولن تُرضي الفصائل تماما، ما يعني استمرار حالة الشك والضغط المتبادل.
  3. مسار القطيعة التدريجية مع السلاح
    وهو المسار الأصعب سياسيا، والأكثر أمانا اقتصاديا ودوليا على المدى البعيد؛ يقوم على:

    • إخراج الفصائل تدريجيا من الوزارات السيادية
    • وضع مسار زمني واضح لدمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة أو تسريحهم
    • إغلاق أكبر عدد ممكن من منافذ اقتصاد الظل الخاص بالفصائل
      هذا المسار يحتاج إلى غطاء داخلي واسع، وإلى تفاهم إقليمي، خصوصا مع طهران، وهو ما يبدو بعيدا عن متناول لحظة سياسية متشنّجة كالتي يعيشها العراق الآن.

حكومة تحت الاختبار قبل أن تولد

في الخلاصة، يظهر العراق اليوم كدولة تُختبَر حكومتها المقبلة قبل أن تُشكَّل؛ ليس فقط في البرلمان أو الشارع، بل أيضا في واشنطن والعواصم التي تمسك بمفاتيح المال والسلاح والدعم الدولي.

تجاهل الشروط الأمريكية قد يبدو لبعض القوى تعبيرا عن “سيادة ورفض للإملاءات”، لكنّ السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع اقتصاد هشّ، ونظام مصرفي متعب، ودولة لا تزال تعالج ندوب حروب واحتجاجات، أن يتحمّل كلفة صدام مفتوح مع القوة التي تمسك بمفتاح الدولار، والسلاح الجوّي، وممرّات الاستثمار؟

تحذيرات علي الجبوري لا تتحدّث عن خوف من أمريكا بقدر ما تشير إلى معادلة واقعية قاسية: حين تُبنى الحكومة على منطق السلاح، يصبح الخارج ممسكا بعصا العقوبات والشرعية، ويجد الداخل نفسه بين فكي كماشة؛ سلاح لا يريد التراجع، وشبكة مصالح دولية لا تنتظر طويلا قبل أن تستخدم كل أوراق الضغط المتاحة.