سعد سعيد الديوه جي يكتب:نهاية إسرائيل بين الواقع والخيال

بعد كل حرب وصِدام بين العرب بصورة خاصة، والمسلمين بصورة عامة من جهة، والإسرائيليين – اليهود من جهة اخرى على ارض فلسطين، تبرز مقالات وكتب أو أفلام على مواقع الانترنت تتحدث عن نهاية إسرائيل اما بالإعتماد على تفاسير آيات سورة الاسراء (4-8)، والتي يسميها البعض سورة بني إسرائيل والتي يقول فيها تعالى (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‎﴿٤﴾‏ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ‎﴿٥﴾‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‎﴿٦﴾‏ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‎﴿٧﴾ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‎﴿٨﴾)، ‏‏أو بالإعتماد طريقة القبالة – الصوفية المأخوذة من الفكر اليهودي وذلك بإعطاء كل حرف رقماً معيناً، ثم تفسر النصوص على مبدأ جمع الارقام بطريقة خاصة، فمنهم من قال ان إسرائيل ستنتهي عام (2012 م)، ومضى العام ولم يحدث شيء، ومنهم من قال ستكون النهاية عام (2022م)، أو ربما عام (2027م)، وتمضي الأعوام ولا يحدث ما يشير لذلك، وقد ازدادت التأويلات بعد أحداث الشيخ جراح في القدس وما تبع ذلك من حرب عاتية بين المقاومة في غزة وإسرائيل.


وكثيرون يربطون نهاية إسرائيل بنزول المسيح (ع)، وقيام الساعة بالإستناد لأحاديث خاصة منسوبة للرسول (ص)، وهو امر مسبوق في المعتقدين اليهودي والمسيحي ولكل مسيحه الخاص.
ولما كان الأمر معقداً وزاده تعقيداً قيام دولة إسرائيل عام (1948م)، كما هو معلوم، والذي غاب عن كل التفاسير القديمة السابقة للحدث للآيات الواردة أعلاه، بينما دخلت المسألة في صلب التأويلات الحالية بعد قيام إسرائيل، وفي كلا الحالتين نرى بُعداً شاسعاً عن تاريخ نكبات بني إسرائيل المتكررة كما سنستعرضه في هذا المقال، فهل كان المقصود بوعد الآخرة هي النكبة الثانية بعد الأولى وهي المتعلقة بقيام إسرائيل الحالية، ام هي آخر نكبة المرافقة ليوم القيامة؟.
والأمر يتسق مع الطرح الأول أكثر بقوله تعالى (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا)، وفي قوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ‎﴿١٦٧﴾‏ الأعراف).


والذي نعتقده بأن الصراع الحالي بين العرب – المسلمين وبين الإسرائيليين – اليهود، له ابعادٌ كثيرة وان البعد الديني ليس الا إحداها وغطاءاً لمصالح سياسية واقتصادية واستعمارية معقدة، لا تعالج في اهداف هذه الرسالة البسيطة.


وما نريد قوله والتأكيد عليه بأن القرآن الكريم ليس كتاب نبوءات أو كتاباً تاريخياً الا بالقدر الذي يتعلق ببناء عقيدة التوحيد والإيمان بيوم القيامة بدون اعطائه بعداً سياسياً، وانما بعداً عقائدياً ليأخذ اصحاب الخير والايمان جزاؤهم واصحاب الشر والسوء عقابهم، ولذلك فنادراً ما نجد تفاصيل الأحداث الا في سورة يوسف (ع)، وسيرة موسى (ع)، المتناثرة في عدة سور، ولكي لا نطيل الحديث فسنستعرض تاريخ نكبات بني إسرائيل وبإختصار شديد، ومنذ خروجهم من مصر على عهد موسى (ع)، حوالي (1290 ق.م)، والى حين نكبتهم الاخيرة عام (132م)، وقد توفي موسى (ع)، ولم ير الارض المقدسة ولا يزال قبره مجهولاً.


والحقيقة ان أسفار التوراة ترجع سبب النكبات للفساد الذي استشرى بين الإسرائيليين ومنها ما جاء في الاصحاح الخامس لسفر أرميا “طوفوا في شوارع أورشليم، أنظروا واستخبروا وفتشوا، هل تجدون في ساحاتها انساناً، انساناً واحداً يصنع العدل … فإنما يحلفون زوراً قسوا وجوههم اكثر من الصخر، 1-3، 5، أرميا”.


دخل بنو إسرائيل فلسطين بقيادة يوشع بن نون فتى موسى (ع)، بعد معارك دموية رهيبة، حيث جاء عن سقوط مدينة اريحة “فأندفع الشعب – بنو إسرائيل- نحو المدينة كل الى وجهته واستولوا عليها، ودمروا المدينة وقضوا بحد السيف على كل من فيها من رجال ونساء واطفال وشيوخ حتى البقر والغنم والحمير، 20-21، 6، يشوع”.
ونحن لسنا بصدد التفاصيل الكثيرة التي ذكرتها التوراة، ففي عهد القضاة (1125-1025 ق.م)، وهم على الأغلب أنبياء صغار حكموا بني إسرائيل، حدثت أول نكبة، حيث تقول التوراة “وفي تلك الايام لم يكن لإسرائيل ملك فكان كل واحد يعمل ما يشاء، 16-17، القضاة”، وحدثت معركة مع الفلسطينيين:

“ونزل الفلسطينيون الى المعركة، فأنهزم بنو إسرائيل و هرب كل واحد الى خيمته، وكانت الضربة عظيمة جداً، فسقط منهم ثلاثون ألف رجل، وأستولى الفلسطينيون على تابوت العهد، 10-11، 4، صموئيل الأول”.
ومن المعلوم ان تابوت العهد هو من اقدس المقدسات لدى الإسرائيليين، ومن طريف ما تذكرة التوراة انا الرب ضرب الفلسطينيين بالبواسير عقاباً على الاستيلاء على تابوت العهد فردوه للإسرائيليين، حتى جاء في احد النصوص عن احدى النساء الإسرائيليات “زال المجد عن إسرائيل لأن تابوت العهد اُخذ، 22، 4، صموئيل الأول”.


بعد هذه الفترة حدثت معركة اخرى بين الملك شاؤول الذي تم تعيينه كملك من قبل آخر القضاة المدعو صموئيل، وكان شاؤول على عداء مع داؤود (ع)، الذي انحاز للفلسطينيين أولاً وسكن معهم، وفي آخر معركة لشاؤول مع الفلسطينيين حدثت النكبة التالية:
حيث تمكن الفلسطينيون منه وقتلوا أولاده الثلاثة وانتحر هو بإلقاء نفسه على السيف، فقد جاء “وعندما جاء الفلسطينيون في اليوم التالي ليسلبوا القتلى عثروا على شاؤول وعلى ابنائه الثلاثة صرعى في جبل جلبوع، فقطعوا رأس شاؤول ونزعوا سلاحه، 8-9، 31، صموئيل الأول”.
ونحن لسنا بصدد ذكر تفاصيل ما جاء بعدها ولكن فقط للعلم فان داؤود (ع)، اصبح أول ملك لدولة إسرائيل بعد ان اتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، حيث استولى عليها من اليبوسيين ودام حكمة من (1010 – 971 ق.م)، ثم حكم بعده ابنه سليمان (ع)، الى عام (931 ق.م).
ثم انقسمت إسرائيل الى مملكتين واحدة في الشمال باسم “إسرائيل” وعاصمتها السامرة واخرى في الجنوب باسم يهوذا وعاصمتها أورشليم وفيها الهيكل الذي بناه سليمان (ع)، على ما تدعيه التوراة وربما هو المقصود بالمسجد في آيات الاسراء السابقة.
ثم حدثت النكبات التالية:

في عام (926 ق.م) غزا شيشنق الأول ملك مصر مملكة يهوذا “وأخذ خزائن بيت الملك وأخذ كل شيء وجميع اتراس الذهب التي عملها سليمان، 4/ 11، ملوك أول”.
وتكرر الأمر على النحو التالي في زمن يهورام ملك يهوذا الرابع (848 – 841 ق.م).
فصعد الفلسطينيون والعرب الى يهوذا وافتتحوها واستولوا على كل الأموال الموجودة في بيت الملك وسبوا ابناءه ونساءه ولم يبقى الا اصغر بنيه، 16-17، 21، أخبار الأيام الثاني”.

وجاءت النكبة الكبرى بزوال مملكة إسرائيل عام (721 ق.م)، على يد الملك الآشوري سرجون الثاني، فسبى سكانها الى بلاد آشور وعاصمتها نينوى، وأحلوا جماعات من بلاد بابل وعيلام وسورية وبلاد العرب محلهم، ويُعرف تاريخياً هذا الحدث بالسبي الآشوري أو السبي الأول، وله وقع كبير في أدبيات أسفار التوراة.

أما مملكة يهوذا فقد تعرضت لنكبات كان أهمها انتصار الملك الآشوري سنحاريب (705 – 681 ق.م)، عليها ولكنه لم يتمكن من إخضاع عاصمتها أورشليم وأكتفي بأخذ الجزية من ملكها.

ثم جاءت النكبة الكبرى عام (597 ق.م) عندما استولى الملك البابلي نبوخذ نصر على يهوذا وسبى ملكها مع سبعة آلاف رجل مسلح والف عامل ماهر وجلبهم الى بابل بعد ان عين “صدقيا” ملكاً منتدباً علي يهوذا.
تمردت يهوذا مرة اخرى بتحريض من افريز – فرعون مصر – أو القصبة المرضوضة كما سماها البابليون، ولم تأبه لنصائح النبي إرميا، فشن نبوخذ نصر حملة أخرى عام (587 ق.م)، وكان غضب الملك البابلي عظيماً، فدمر أورشليم وحرق هيكل سليمان وسلب خزائن المدينة ونقلها الى بابل، وقتل من سكانها خلقاً عظيماً، وقبض على الملك صدقيا ثم فقئت عيناه بعد ذبح أولاده امامه وأخذ مكبلاً مع الاسرى، ومن ضمنهم النبي حزقيال صاحب السفر المشهور بنبوءات آخر الايام، 17-20، 36، إرميا، 5-17، 35، أخبار الأيام الثاني.
ولم تقم قائمة لبني إسرائيل بعدها بالمفهوم الحقيقي كدولة ذات كيان، حتى بعد عودة بعضهم الى أورشليم بعد سقوط الدولة البابلية على يد كورش الأخميني عام (539ق.م)، وسمح لهم بإنشاء الهيكل الثاني عام (520 ق.م)، بعد ان اصبحت يهوذا محمية فارسية.
دخلت فلسطين تحت حكم الإسكندر المقدوني عام (332 ق.م)، ثم صارت تحت حكم البطالمة.

وحدثت نكبة أخرى عندما دخل انطيونوس الرابع “ابيغان” أورشليم ودمر الهيكل الثاني ودنسة بذبح الخنازير داخله ونهب خزائنه وضغط على بني إسرائيل لاعتناق الوثنية، فقامت ثورة المكابيين عام (164 ق.م)، واستطاعوا تأسيس إمارة شبه مستقلة عن الإغريق.

وفي الصراع بين الإغريق والرومان، دخل الإمبراطور الروماني كراسوس أورشليم ونهب خزائن بيت الرب وكان من قبله قائده “بومبي” قد عمل نفس الشيء وتعرض الهيكل للدمار.

أمر الحاكم هيرودس الذي ولد المسيح (ع)، في عهده بين(4-6 ق.م)، ببناء هيكل ثالث ارضاءاً لليهود ولأسباب اقتصادية لان الهيكل يتم فيه إلقاء التبرعات والنذور والهدايا للرب!.

في عام (66 ب.م)، قام اليهود بثورة ضد الرومان على عهد نيرون، مما ادى لدخول القائد “تيطس” أورشليم وحرقه للهيكل الثالث وفتك باليهود، وألغي محفلهم الديني المسمى بالسنهدرين، وكانت ال ضربة شديدة جداً وموجعة.
في عام (132 ب.م)، ثار اليهود من جديد على عهد الإمبراطور الروماني “هادريان” بقيادة “باركوخبا” فسير عليهم جيشاً قوياً عام (135 ب.م)، و دمر الهيكل تماماً وحرث موضعه وأقام مستعمرة رومانية في أورشليم، باسم “إيلياء”، وهي تم فتحها في زمن عمر بن الخطاب (رض)، عام (16هـ)، وأجلى هادريان جميع اليهود عنها وحرم الديانة اليهودية، مما ادى الى تشرذم اليهود في بلاد العالم القديم وكان ذلك الشتات اقسى وأمر من الشتاتين الآشوري والبابلي، وهو الشتات الأخير من أرض الميعاد.



من ذلك نرى ان الإسرائيليين – اليهود – قد تعرضوا لنكبات عديدة داخل الارض الموعودة – فلسطين -، وان ما نتوقعه من نكبة مستقبلية سبقتها نكبة واحدة فقط أمر لا اساس له من الصحة مطلقاً، ولا يمكن وضع اساس تفسيري أو تنبؤي على أسس تاريخية محددة لآيات سورة الاسراء.
وان ما سيحدث علمه لا يعلمه الا الله علام الغيوب، وان ما ذكره القرآن الكريم يخص فترة زمنية محددة على الأكثر.
وعليه فأصحاب التفاسير القديمة كالطبري والقرطبي وإبن كثير … الخ، ذهبوا مذاهب شتى في التفاسير لعدم إطلاعهم على التوراة كما هي، وذلك لعدم وجودها باللغة العربية آنذاك، واعتمدوا على السماع من دون التحقق من المسألة، ولسبب آخر مهم جدا وهو أن كثيراً من الاحداث التاريخية لم تفك أسرارها الا بعد قراءة النصوص المسمارية البابلية والآشورية في حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
من المعلوم لدى اليهود ان الأساس الديني الذي يجب ان تقوم عليه إسرائيل يرتبط برجوع المخلص المنتظر أو ما يسمى “بالمسيح المنتظر” كما ذكرنا، ولذلك نرى وجود حركات يهودية كثيرة يرعاها حاخات كبار ترفض الدولة الإسرائيلية – اليهودية – حالياً ويهاجمونها بقوة لأنها تخالف احكام التوراة.


ولذلك فالصبغة الاستعمارية الغربية التي وقفت خلف نشوء إسرائيل، قد أخذت من الحركة الصهيونية الدينية غطاءاً لها منذ وعد بلفور (1917م)، وما قبله، وهو الأساس الفعلي الذي قامت عليه إسرائيل.
ومع ذلك فالحرب الدينية محتملة ولكنه احتمال غير متكامل، وأنها ليست الحل الأول والأخير في زمن فيه كل شيء محتمل ووارد، ويجب ان يتعلم المسلمون عامة والعرب على وجه الخصوص بأنه لا توجد حلول سحرية لكل مشاكلنا، ومنها قضية فلسطين، وعلينا التعامل مع كل المعطيات والاحتمالات بموضوعية وواقعية في صراع شائك ومعقد، وان لا نسقط من أيدينا كل الوسائل في التعامل مع هذه القضية، وان الأماني وحدها لا تكفي لصنع المعجزات، واقتران عقيدة زوال إسرائيل بالإعتماد على نبوءات آخر الأيام ليست مسألة حتمية، شأنها شأن كثير من المعتقدات التي قامت على معلومات تاريخية غير صحيحة.


وعليه يجب ان لا يدفعنا كوننا الجانب المظلوم أو الخاسر في هذه القضية للتعلق بالأماني والنبوءات التي يطلقها هذا وذاك على أُسس غير واقعية.


ومما يؤسف له ان القضية الفلسطينية حولتها بعض الجهات الملتزمة بالخط الديني الى نوع من التجارة الدعائية على أساس العداء المكشوف لإسرائيل، والذي له صدىً كبيراً بين عموم العرب والمسلمين نتيجة الأعمال العدائية المستمرة ضد سكان فلسطين من قبل الإسرائيليين والاستهانة بالقانون الدولي وإستمرار الاستيطان، مما يزيد في تعقيد المسألة ويصبح حل القضية أمراً صعب المنال في المجال المنظور وربما خلال هذا القرن والله اعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *