انظروا ماذا فعلت الوزيرة الفرنسيّة ! عدنان حسين

 

 

لم يمض غير شهر واحد على تولّي الفرنسية سيلفي غولار منصب وزيرة الدفاع في الحكومة التي تشكلت عقب انتخاب الرئيس  الجديد ايمانويل ماكرون منتصف الشهر الماضي، حتى استقالت من المنصب  وذهبت الى بيتها .

السيدة غولار قامت بفعل الاستقالة من تلقاء نفسها من دون أي ضغط أو إكراه، ما خلا ضغط ضميرها. والسبب في استقالة الوزيرة لا يتعلق بخطيئة ارتكبتها في عملها، ولا باكتشاف أنها مثلاً تحمل شهادة مزوّرة أو عقدت صفقة انطوت على فساد إداري ومالي، كما يحصل لدينا كثيراً، إنْ في الحكومة أو مجلس النواب أو سائر مؤسسات الدولة.. بل ليس للاستقالة أي علاقة بأبسط خطأ يمكن أن يقع فيه الانسان ولا بأي تصرف شخصي يمكن اعتباره خارج اللياقات والقواعد والاصول والقانون.

السيدة غولار استقالت من منصبها الرفيع فقط لأن الحزب الذي تترأسه ربما وقع في خطأ، وهي قضية يجري التحقيق فيها الآن ولم تُحسم بعد. وحزب الوزيرة المستقيلة هو  حزب الحركة الديمقراطية المنتمي الى تيار الوسط الذي تحالف مع الرئيس ماكرون في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الاخيرة، وهو  يواجه الآن تحقيقاً بشأن طريقة تعيينه للمساعدين البرلمانيين في البرلمان الأوروبي، حيث بدأت النيابة العامة في باريس أوائل الشهر الجاري تحقيقاً  بشأن توظيف بعض أعضاء حزب الحركة الديمقراطية بشكل وهمي كمساعدين لنواب في البرلمان الأوروبي.

لاحظوا ما قالته غولار في بيان استقالتها: “الدفاع حقيبة حساسة. يجب ألا يختلط شرف جيوشنا وشرف الرجال والنساء الذين يعرّضون حياتهم للخطر بجدال لا علاقة لهم به”.

بمقاييسنا يبدو تصرّف الوزيرة الفرنسية صاعقاً، فلو أن وزيراً في حكومتنا، أي من حكوماتنا، فعل الشيء نفسه لبقينا ساعات وربما أياماً نتقصى صحة الخبر،  قبل نشره أو التصديق به، فالقاعدة السائدة لدينا أن يرتكب الوزير أو النائب أو سواهما من المسؤولين في الدولة بسلطاتها الثلاث، ما يشاء من الاخطاء والخطايا والموبقات والجرائم والمجازر، ولا يطوله الحساب، بل على الآخرين ألّا يعترضوا أو ينتقدوا أو حتى أن يتحفّظوا، فالوظيفة العامة عندنا تُعامل بوصفها ملكية صرفة للمسؤول، له كامل الحق في التصرف به على هواه واستثماره كيفما شاء وفقاً لمصالحه الشخصية والحزبية والعشائرية.

فرنسا دولة ناجحة ومتقدمة ومتحضرة وذات نفوذ دولي. هي كذلك ،لأن ما قامت به الوزيرة غولار هو ممارسة معتادة للغاية، فثمة حسّ بالمسؤولية الوطنية، وثمة ضمير شخصي يراقب ويحاسب، قبل أن تراقب وتحاسب أجهزة المراقبة والمحاسبة.

ونحن في المقابل، دولة فاشلة ومتخلّفة وتتراجع الى الخلف، في العهد الحالي كما في العهد السابق، لأن الموظفين العموميين في دولتنا ممّن هم على شاكلة الوزيرة الفرنسية نادرون للغاية. سنبقى هكذا  حتى يأتي اليوم الذي تتولى فيه حكم البلاد طبقة سياسية لديها حسّ بالمسؤولية الوطنية وضمير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *