هدية ترامب للاتحاد الأوروبي

 

رينو جيرار

 

إثر الحرب العالمية الثانية، دعمت الولايات المتحدة ارساء البنى الأوروبية للحؤول دون حرب تدمر من جديد القارة القديمة، وجبه اوروبا الغربية الخطر السوفياتي. ورحب هاري ترومن في 1951 بإنشاء المجموعة الأوروبية للفحم والفولاذ. وبعد ست سنوات، رحب الرئيس إيزنهاور بإنشاء السوق المشتركة وإبرام معاهدة «أوراتوم» النووية الأوروبية. وعيّن سفير اميركي في بروكسيل في اللجنة الاقتصادية الأوروبية. وحين تحررت دول شرق اوروبا من القبضة السوفياتية في اختتام الثمانينات، دعتهم اميركا الى المطالبة بالانضمام الى الاتحاد الأوروبي. وحين اندلعت الأزمة اليونانية في 2010، حضّ الأميركيون حلفاءهم الأوروبيين على التضامن مع أثينا، والحؤول دون انفراط عقد منطقة اليورو، والاتحاد الأوروبي.

 

ولكن مع انتخاب الرئيس الأميركي الخامس والأربعين، انقلبت الآية. فأميركا التي رعت ولادة البنى الأوروبية المؤسساتية والدستورية وحضنتها، تنأى عنها اليوم. وأعلن ترامب ازدراء الاتحاد الأوروبي. وفي تغريداته على تويتر ومقابلاته، يرى ان الاتحاد سجن الشعوب، ومسخ بيروقراطي واقع تحت الهيمنة الألمانية التي تستغل ثرواته وتراكم الثراء. وهنأ الرئيس الأميركي بريطانيا بالاقتراع على «بريكزيت» (الانسحاب من الاتحاد الأوروبي)، واستقبل رئيسة الوزراء البريطانية استقبالاً حاراً. ولكن مسارعة تيريزا ماي الى زيارة ترامب لم تكن مثمرة، وظهرت في صورة تابع. ولا يتستر الرئيس الأميركي على تشجيعه دول الاتحاد الأوروبي على مغادرته.

 

ولا شك في ان لترامب حرية ازدراء اتحادنا الأوروبي، ولكن تشخيصه احوال الاتحاد ليست في محلها وتفتقر الى الدقة. وموقفه هو في مثابة هدية يقدمها لأوروبا. وهذه ليست مضطهدة وذليلة تحت الجزمة الألمانية. فاليورو ليس نظير الرايخ مارك الألماني في 1942. والألمان لم يرسلوا دباباتهم الى فرنسا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا واليونان لإلزامهم التخلي عن عملاتهم المحلية. فالفرنسيون هم من توسلوا الألمان ورجوهم الارتباط بعملتهم. وكان موقف الألمان فاتراً. فهم يكرهون العجز في الموازنة وخفض سعر العملة «التنافسي».

 

وليست هدية ترامب الى اوروبا مسمومة، فهي في مثابة صفعة قد توقظ الاتحاد الأوروبي من سباته وخدره. ومنذ مطلع عام 2000، خيب آمال مواطنيه. وفي آذار (مارس) 2000، حددت القمة الأوروبية هدفاً استراتيجياً: التحول الى اقتصاد المعرفة الأكثر تنافسية في العالم في عقد من الزمن. ولكن «استراتيجية لشبونة» أهملت، ولم تلتزم. وتباينت الهوة واتسعت بين الواقع الأوروبي والنموذج الكاليفورني الرائد في التكنولوجيا. وتعثر الاتحاد الأوروبي اكثر من مرة: حين سارع الى التوسع؛ ووقع في فوضى مؤسساتية ودستورية؛ ولم يقدم على التفاوض التجاري مع الصين؛ ووقف موقف المتفرج من ارتدادات ازمة انفجار الفقاعة العقارية الأميركية؛ ولم يستبق ازمة المهاجرين وأخفق في إعداد العدة على حدوده.

 

وحري بقادة الاتحاد الأوروبي رص الصفوف في مفاوضة واشنطن. فهذه لم تعد تقيم وزناً غير لموازين القوة وعلاقاتها. وعلى اميركا ادراك ان سعيها الى تصدير قوانينها الجديدة لن تجد غير سد منيع اوروبي يواجهها في القضاء والتشريع. وفي ملف المهاجرين، على اوروبا توجيه الدفة وأن تكون القدوة من طريق ترك التساهل الذي ينتهي الى اجتياح «السريين» (من غير اوراق رسمية) وتدفقهم من غير عقال الى اراضيها، وتفادي إبعاد كل المهاجرين من غير تمييز.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.