تاريخ العراق في خطر.. آثار “النمرود” تتحول إلى ركام وتُنهب على أيدي اللصوص

 

تحولت الثيران المجنحة الصغيرة الواقفة أمام قصر النمرود، الذي يرجع تاريخه إلى ثلاثة آلاف عام تقريباً، إلى حطام.

 

هذه المخلوقات الأسطورية ذات الرأس البشري التي كان يعتقد أنها تقوم بحراسة الملك من الشر، ما هي الآن إلا حطام على الأرض، ضحية حمى جماعة داعش لمحو التاريخ، بحسب تقرير لوكالة Associated Press الإخبارية الأميركية، رصدت فيه خسائر التراث العراقي الأثري.

دمرت الميليشيات المتشددة واحدة من أهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط. ولكن ما زالت منطقة النمرود تتعرض -منذ ما يزيد عن شهر بعد خروج تلك الجماعات- للتدمير والنهب، وتختفي كنوزها واحدة تلو الأخرى، بحسب ما وجده فريق أسوشيتد برس بعد زياراته المتعددة في الشهر الماضي.

 

مع استغراق الحكومة والجيش في حربهما ضد داعش بالقرب من الموصل، لا يزال حطام عاصمة الإمبراطورية الآشورية القديمة موجوداً دون وقاية، وعرضة للناهبين.

 

لم يتم تعيين أحد لحراسة الموقع مترامي الأطراف، ناهيك عن فهرسة أجزاء من النقوش القديمة، وقطع من النصوص المسمارية، وحطام التماثيل وغيرها من الأنقاض بعدما فجرت الدولة الاسلامية تقريباً كل مبنى هناك. اختفت ألواح حجرية تحتاج للترميم من جدار القصر. كما رأت وكالة أسوشيتد برس ألواحاً حجرية من منحوتات في إحدى الزيارات، لكنها كانت قد اختفت عندما عاد الصحفيون.

 

قالت هبة حازم حمد -أستاذ علم الآثار في الموصل التي كثيراً ما أخذت طلابها إلى هناك- “عندما سمعت عن النمرود، بكى قلبي قبل عيني”. وتابعت “جاءت عائلتي والجيران لبيتي لتقديم التعازي”.

 

ربما الوحيدة التي أولت اهتماماً لما بقي من أنقاض، هي عالمة الآثار العراقية ليلى صالح. فقد زارت الموقع عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، وصوَّرت فوتوغرافياً ما حدث لتوثيق ذلك التدمير، وتُلح على الميليشيات القريبة العناية بالمكان. كانت تسير مع وكالة أسوشيتد برس عبر فسحة ترابية واسعة من الخراب، وهي هادئة، أشارت بمنهجية ودقة إلى الأشياء التي رأتها في الزيارات السابقة ولم تعد موجودة في المكان.

 

لا تزال صالح غير يائسة، وتبحث عن مبررات للتفاؤل، وقالت إن “الشيء الجيد هو أن الأنقاض لا تزال في الموقع”. وتابعت “إن الموقع قابل للترميم”.

 

بالنسبة إلى العين غير المدربة من الصعب تخيل ذلك، نظراً لمدى الدمار الذي ألحقته جماعة داعش في مارس/ آذار 2015. وتقدر صالح أن 60% من الموقع كان غير قابل للاستعادة.

 

 

 

 

تنتشر المباني العديدة بالموقع من القصور والمعابد على مساحة أكثر من 360 هكتاراً (900 فدان) على هضبة ترابية. تقع الزقورة -هرم مدرج كان يخطف أنظار كل من يدخل مدينة النمرود- على ارتفاع 140 قدماً، ولكن حيثما كانت موجودة لا يوجد الآن غير الأرض المدمرة.

 

بجانبها مباشرة، في قصر الملك آشور ناصربال الثاني، الجدران مهدمة والأحجار مجمعة في أكوام ضخمة. فناء القصر مليء بالحفر الأرضية. كما كدست قطع من الكتابة المسمارية في التراب. النقوش التي تظهر الآلهة والمخلوقات الأسطورية تحولت إلى حطام عشوائي لا يُظهر سوى يد أو عدد قليل من ريش جناح الجني.

 

أثناء جولة التقييم التابعة لليونسكو يوم 14 ديسمبر/ كانون الأول، وجد خبير إزالة الألغام التابع للأمم المتحدة ثقباً يؤدي إلى مقبرة بدا أنها سليمة. لكن الخبير قال إنها قد تكون فخاً لتنفجر، وتراجع طاقم اليونسكو.

 

قاموا بتفكيك الأجنحة عن الثيران المعروفة باسم لاماسو، بالحماسة نفسها التي قطعوا بها الرؤوس في الرقة أو الموصل. الرؤوس ذوات اللحى للتماثيل مفقودة- فمن المحتمل اتخاذها ليتم بيعها في السوق السوداء كما فعلت جماعة داعش مع غيرها من الأعمال الفنية. وبعد ذلك يقومون بتفجير المكان كله كما فعلوا مع معبد نابو ومعبد الإلهة عشتار.

 

كانت ضربة موجعة إلى الموقع الذي أعطى العالم ثروة مذهلة من فن بلاد ما بين النهرين وعمق المعرفة حول الشرق الأوسط القديم.

 

وكانت النمرود عاصمة الآشوريين، وهي إحدى أقدم وأشرس إمبراطوريات العالم القديم. وعرفت المدينة في ذلك الوقت باسم كالهو، وكانت مقراً للسلطة بين أعوام 879-709 قبل الميلاد، وهو العصر الذي توسعت فيه الجيوش الآشورية في أنحاء بلاد الشام، واستولت على دمشق وغيرها من المدن، وسحقت مملكة إسرائيل، وحولت جارتها يهوذا إلى ولاية.

 

نقب الفريق البريطاني- الآشوري لأول مرة بنمرود في عام 1945، ثم أعيد التنقيب مرة أخرى في الخمسينات من قبل ماكس مالوان. على الرغم من شهرته لأعماله في هذا الوقت، كان يُعرف في ذلك الوقت بزوج أجاثا كريستي، التي رافقته في تصوير الحفريات.

 

قالت جورجينا هيرمان، عالمة الآثار البريطانية التي كانت تعمل في نمرود مع مالوان “إنها واحدة من أجمل الأماكن في الشرق الأوسط، أو على الأقل كانت كذلك”. وتابعت: “اعتادت أن تكون مغطاة بالزهور البرية. إن كنت هناك ستجد الكثير من المنحوتات القديمة”.

 

بالإضافة إلى النقوش والتماثيل، عثر علماء الآثار على مئات الألواح الحجرية مكتوبة بحروف مسمارية تحتوي على كل من المعاهدات وسجلات المعبد والقصر. كما أن مقابر الملكات أسفرت عن الكنوز الدفينة من الذهب والمجوهرات. واكتشف علماء الآثار العراقيون أيضاً أكثر من مائة من الهياكل العظمية داخل القصر، بعضهم مكبل اليدين والساقين، ربما سجناء ألقوا هناك حين عُزل النمرود في عام 610 قبل الميلاد.

 

ليلي صالح -تبلغ من العمر 40 عاماً- جاءت إلى نمرود بعد بضعة أيام من خروج مسلحي داعش في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني. حتى الآن هي مسؤولة الآثار العراقية الوحيدة التي أتت لتزور المكان، بالرغم من أن آشور القديمة ليست مجال تخصصها، فتخصصها في الفن الإسلامي والهندسة المعمارية. لكن لم يكن هناك أحد آخر للقيام بذلك. فنصف علماء الآثار الحكوميين الـ50 ما زالوا محاصرين هناك في الموصل تحت حكم جماعة داعش.

 

وأكدت ما صورته الأقمار الصناعية بالفعل: في وقت ما بين 1 سبتمبر/ أيلول و4 نوفمبر/ تشرين الثاني قامت داعش بتجريف الزقورة.

 

لم يتم استكشافها من قبل علماء الآثار أبداً. “لا أحد يعرف ما كان بداخلها إلا جماعة داعش” كما قال هيرمان.

 

قال ممثل اليونسكو في العراق لويز هاكستاوسن خلال الجولة بالموقع معلقاً عما حدث “مدمر تماماً”.

 

وقالت صالح “إن أهم شيء الآن هو ضمان بعض الحماية الأساسية”.

 

 

الحكومة منشغلة

 

 

لكن الحكومة لديها الكثير من الأولويات في الوقت الراهن. فلا تزال المعارك في الموصل مع داعش مستمرة. وعلاوة على ذلك، هناك قائمة طويلة ومكلفة من الاحتياجات في إعادة إعمار البلاد بسبب ما قامت به جماعة داعش.

 

فعشرات الآلاف من المواطنين يعيشون في مخيمات. ودمرت مساحات واسعة غربي مدينة الرمادي في هجوم لانتزاعها من تحت سيطر داعش.

 

وتُكتشف مقابر جماعية كل يوم تقريباً في الرمادي، أكثر من 70 واحدة قد اكتشفت بالفعل. ولا تزال المواقع الأثرية الأخرى تحت سيطرة داعش، بما في ذلك نينوى -عاصمة أخرى للآشوريين القدماء- في قلب الموصل.

 

تقع نمرود في منطقة حرب نشطة، على حافة وادي نهر دجلة جنوبي الموصل. وللوصول إليها لا بد من المرور على عدة نقاط تفتيش للجماعات المسلحة المتعددة كالجيش العراقي، والميليشيات الشيعية، وقوات البشمركة الكردية، والمقاتلين المسيحيين.

 

لم تقم أي من تلك القوات بحراسة نمرود. وزارت وكالة أسوشيتد برس الموقع ثلاث مرات، ولم يظهر المقاتلون السنة أو الشيعة إلا في نهاية المطاف بعد ساعة، على ما يبدو بعد أن سمعوا عن وجود الفريق.

 

وخلال جولة اليونسكو، لاحظت صالح أن بعض بقايا حطام القصر التي قد تم رصدها بدقة تم تجميعها في مومات وإزاحتها بعيداً. وسألت اثنين من الميليشيات الشيعية عنها.

 

وقالت في سخط “كل منهما قال لي قصة مختلفة”. قال أحدهما إن أحد متطرفي داعش فعل ذلك ليقوم ببيع الأحجار. وقال الآخر إن أعضاء الميليشيا أنفسهم قاموا برصها لحمايتهم. وترى صالح أنه لا هذا ولا ذاك صحيح، ولكن تعتقد أن أحدهم قد أمل في أخذ الأحجار لإصلاح المنازل المدمرة في القتال.

 

من الصعب القول ما هو المفقود، لأن لا أحد يعرف حتى ماذا يوجد في أكوام الأنقاض لمعرفة ما إذا كان يجري سرقتها.

 

وأُلقي القبض في وقتٍ سابق على اثنين من السكان المحليين معهم قرص من الرخام وختم حجري من نمرود، بغرض بيعهما على ما يبدو. وما زال الرجلان رهن الاحتجاز.

 

ومع ذلك من الصعب تعقب القطع الأثرية التي انتزعت منهما، حيث أصرت الشرطة أنها كانت في مختبر في أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق. وقال المختبر إنه لا يعرف عنها شيئاً.

 

وقالت وزارة الآثار في بغداد إنها كانت محفوظة في المكاتب الحكومية بنينوى، في حين قال مسؤول في هذه المكاتب إنها كانت مع الشرطة تنتظر النقل إلى بغداد.

 

هذه دائرة مُحكمة من الارتباك، ما يجعل من السهل على أي أحد سرقة القطع الأثرية.

 

تحاول صالح الحصول على تمويل دولي لدفع مبلغ من المال لحراسة الموقع. لكنها تعرف أنها سوف تضطر للذهاب إلى الميليشيات وليس لديها شك بأن الميليشيات ستوفر الحماية الكاملة.

 

لكنها قد اعتادت على تقديم التنازلات التي قد لا تكون متوقعة بالمرة. وقبل فرارها من منزلها في الموصل بعد وقت قصير من استيلاء الدولة الإسلامية عليها في عام 2014، قالت إنها وعلماء الآثار الآخرين توسلوا للمتشددين السماح لهم بتدمير المقابر القديمة في المدينة، لكنهم رفضوا ذلك. على الأقل بهذه الطريقة، المباني التي تؤوي المقابر كان يمكن أن تحافظ عليها.

 

كانت دعوة غير مجدية، وتم تفجير المباني والمقابر.

 

تتفاوض الآن مع الميليشيات للقيام بما في وسعهم للحفاظ على نمرود. وفي الزيارة الأخيرة مع وكالة أسوشييتد برس، تسببت أمطار فصل الشتاء بغرق الحطام في التراب، وكذلك إزاحة ما تبقى.

 

قالت “كما ترون، فليس هناك خيار آخر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.