رسالة السيستاني القويّة إلى ” أولاده” عدنان حسين

 

بكلّ المقاييس، الرسالة التي ردّت بها المرجعيّة الشيعيّة العليا على مسعى التحالف الوطني (الشيعي) لمباركة مشروعه لـ ” التسوية التاريخية” بليغة وقوية برغم أنها لم تتضمن حرفاً واحداً مكتوباً، فهل سيقرؤها المعنيّون بها كما ينبغي للقراءة الصحيحة أن تكون ؟

رئيس الائتلاف الوطني عمار الحكيم حمل إلى النجف مشروعه، بعدما طاف به على بعض القوى الداخلية والإقليمية ( الأردن وإيران) ، بأمل أن يجري تعميد المشروع في دار المرجعية العليا، بيد أنّ هذه ردّت بالتذكير بأنها لم تزل عند موقفها الملتزم عدم استقبال السياسيين لأيّ غرض، فلم تفتح الباب لموفد التحالف الوطني الذي رغب وبعض شركائه في الحصول على إجازة شرعيّة للمشروع المختلف عليه وطنياً، بل حتى داخل ” البيت الشيعي” نفسه.

موقف السيد علي السيستاني بالمقاطعة له تاريخ يرجع الى ما قبل ست سنوات في الأقل، فالمرجع الأعلى شعر بالخذلان حيال نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2010 وأسفرت عن تولية نوري المالكي رئاسة الحكومة للمرة الثانية على التوالي. السيستاني لم يكن راضياً عن أداء حكومة المالكي الأولى، أو بالأحرى أنه كان ممتعضاً من أداء الطبقة السياسية برمّتها، وبخاصة الشيعية منها التي تمتّعت على الدوام بالأغلبية في مجلس النواب وفي الحكومة. منذ ذلك الوقت أوصل السيستاني مباشرة عبر ممثّليه رسائل كثيرة تحذّر الطبقة السياسية الشيعية من مخاطر الاستمرار في انغماسها في الفساد الإداري والمالي وإهمال حاجات الشعب، وفي ممارسة الإقصاء والتهميش حيال القوى الأخرى، وفشل حكومتها المتعاقبة في الملف الأمني على نحو خاص فضلاً عن الملف الخدمي والملف الاقتصادي برغم تدفق مئات مليارات الدولارات سنوياً من عوائد النفط.

الطبقة السياسية الشيعية المتنفذة التي ظلت تقدّم نفسها للناس على أنها ابنة المرجعية الحاظية بمباركتها،  لم تصغ لما كان يصلها من السيد السيستاني ولما كان يقوله ممثلوه بأعلى الأصوات في خطبهم الأُسبوعية، حتى وقعت واقعة الاجتياح الداعشي في حزيران  2014 التي كانت في الواقع إعلاناً صارخاً بالفشل الذريع لهذه الطبقة وعدم صلاحيتها لإدارة الدولة، بيد إن هذه الطبقة واصلت عنادها،  بل إنها ازدادت فساداً ما أدى الى أن تنفجر في وجهها أكبر حركة احتجاجيّة في تاريخ العراق، حظيت في الحال بتأييد صريح من المرجعية العليا، ما أعطاها زخماً جعلها تتواصل حتى اليوم.

واليوم فإنّ ما يتبدّى لمعظم العراقيين، وفي مقدمهم المرجعية الشيعية العليا، أن الطبقة السياسية الحاكمة، بما فيها الشيعية، أصبحت منتهية الصلاحية ( هي لم تكن صالحة في الأساس) ، وليس من علاج غير انتهاء دور الفاشلين جميعاً والبحث عن وجوه جديدة غير ملوّثة يمكنها أن تنهض بما عجز عنه الزعماء الحاليّون بسبب فسادهم وانخراطهم في صراعاتهم من أجل السلطة والنفوذ . هذا ما تتطلع إليه المرجعية الآن كما معظم العراقيين، وهذا هو في الواقع مضمون الرسالة التي حملها ردّ المرجعية العليا على طلب السيد الحكيم  مقابلة المرجع الأعلى وعرض مشروع ” التسوية التاريخية” عليه لمباركته.

سيرتكب التحالف الوطني وزعماؤه  خطأً كبيراً آخر إن لم يقرأوا الرسالة على هذا النحو … والخيار لهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.