معركة الموصل: الخطط والوقائع وما بينهما ثانية يحيى الكبيسي

 

 

كتبنا في «القدس العربي» مقالا سابقا في العنوان نفسه نشر يوم 20 أكتوبر/تشرين الاول، أي قبل ما يزيد عن شهرين، أن انطلاق معركة الموصل جاء في إطار الخطة الأمريكية التي أسميناها «نقلة الفرس»، التي اعتمدت مبدأ حركة الفرس في الشطرنج! لم يكن هدف هذه الخطة هزيمة داعش نهائيا وانما كان الهدف طرد التنظيم من المدن، وذلك عبر الانتقال من مدينة إلى أخرى، دون ملاحقة عناصره التي تنسحب عادة باتجاه محيط تلك المدن. وقلنا في المقال نفسه أيضا أن توقيت المعركة قررته متطلبات السياسة الأمريكية، فقد كان واضحا ان إدارة أوباما اعتمدت توقيتا سياسيا ارتبط بالانتخابات الأمريكية، وليس توقيتا عسكريا يعتمد على طبيعة التحشيد للمعركة على الأرض! ذلك ان المعطيات العسكرية الميدانية كشفت أن عديد القوات العراقية، مع القوات المتجحفلة معها، غير كاف لمعركة كبيرة مثل معركة الموصل. وقد بنيت هذه الخطة على ما يبدو، على أساس أن تنظيم الدولة لن يقاتل في الموصل، وأنه سينسحب من المدينة، في حال تمكن القوات المهاجمة من اختراق حائط الصد المشكل حول مدينة الموصل، كما حصل في المعارك السابقة! وأخيرا أشرنا إلى ان الخطة العسكرية، المعدة لمعركة الموصل، لم تلتفت مطلقا للجانب الإنساني، فعلى الرغم من التوقعات بنزوح أكثر من مليون مدني، في موسم الشتاء، لم توفر المنظمات الدولية سوى مخيمات مستعجلة لا تتسع لما يزيد عن 100 ألف شخص! مع تخل شبه مطلق للحكومة العراقية عن مسؤولياتها تجاه النازحين.

اليوم، تتجه عملية استعادة الموصل نحو نقطة حرجة، خاصة بعد قرار داعش الصريح بالقتال في الموصل، عندما طالبهم «خليفتهم» أبو بكر البغدادي في تسجيل صوتي تم بثه يوم 1 تشرين ثاني/ نوفمبر بقتال من أسماهم «أعداء الله»! و»التمسك بالأرض»! لاسيما أن الخطة كما أشرنا حينها قد اعتمدت على أن التنظيم سينسحب من الموصل مع اقتحام أول حائط صد! وقد كشف ذلك عن الحقيقة التي أشرنا اليها حينها أيضا بان عدد القوات المحتشدة غير كاف لمعركة معقدة مثل معركة الموصل، في ظل فقدان القوات العراقية للعناصر الرئيسية الثلاثة في الاستراتيجية القتالية التي اعتمدتها لمواجهة تنظيم الدولة في جميع المعارك السابقة، وهي؛ التحشيد والحركة بأعداد كبيرة؛ واستخدام الكثافة النيرانية من جميع انواع الأسلحة بشكل عشوائي؛ والغطاء الجوي الأمريكي. فعديد القوات المحتشدة في الموصل لم يكن كافيا منذ البداية، كما أن معظم هذه القوات لا يمتلك خبرة القتال في لمدن والشوارع! كما ان وجود كم كبير من المدنيين في المدينة، منع القوات العراقية من اعتماد الكثافة النيرانية، بسبب حرص أمريكي على عدم تحول معركة الموصل إلى نموذج شبيه بمعركة حلب! والسبب نفسه حيد قدرة طيران التحالف بشكل كبير، ومقارنة سريعة للأرقام التي تنشرها القيادة المركزية الأمريكية لعدد الغارات الجوية الأمريكية في العراق يكشف هذه الحقيقة.

فباستثناء قوات جهاز مكافحة الإرهاب المتخصصة بهذا النوع من القتال، والتي استطاعت حتى اللحظة استعادة ما يقرب من ثلث مساحة الساحل الأيسر من المدينة! لم تتمكن أي من المحاور الأخرى من التقدم بشكل حقيقي في المدينة! فقوات الفرقة التاسعة في المحور الجنوبي الشرقي لم تتمكن من تحقيق أي اختراق في داخل المدينة على مدى أكثر من شهر ونصف، محاولتها الوحيدة التي تمكنت فيها من تحقيق مثل هذا الاختراق كانت بعمق حيين فقط باتجاه حي الوحدة، حين سيطرت على مستشفى السلام، لكن هذه العملية انتهت إلى كارثة حقيقية لحقت باللواء 36! مما دفع لتعزيزها بالفرقة الخامسة من الشرطة الاتحادية! وفي القاطع الشمالي، حيث قوات الفرقة 16، التي لم تحقق ايضا أي اختراق حقيقي، وظلت تخوض معارك كر وفر في محيط المدينة، من دون ان تتمكن من الدخول إلى أي حي من احياء الجانب الأيسر.

أما في الجانب الأيمن من المدينة، وهو الجانب الأكثر صعوبة، وتعقيدا، فقد توقفت قوات الشرطة الاتحاديه والقوات المساندة لها في المحور الوحيد القادم من المحور الجنوبي، جنوب مطار الموصل، على بعد ما يقرب من عشرة كم عن محيط المدينة، بعد ان حققت تقدما مهما عبر القيارة ـ الشورة ـ حمام العليل، وهي مناطق لم يكن يعتقد أن تنظيم الدولة سيتخلى عنها بسهولة، لأنها كانت تمثل أحد معاقله الرئيسية، ولكن من الواضح ان خطته بنيت على أساس القتال في مدينة الموصل، وعدم تشتيت قواته خارجها. فلم تتقدم هذه القوات على مدى أكثر من شهر!

إنسانيا، يبدو ان الحكومة العراقية لم تغير استراتيجية تعاملها مع المدنيين النازحين من الموصل، فبعد وصول عدد النازحين من المدن والقرى (يمثلون 22٪ من النازحين)، فضلا عن النازحين من الاحياء التي تم استعادتها في الساحل الأيسر من الموصل (يمثلون 78٪ من النازحين)، إلى ما يقرب من 107 آلاف نازح، تبعا لآخر رقم أوردته بعثة الأمم المتحدة في العراق يوم 26 من الشهر الحالي. وهو رقم يقترب من اقصى قدرة استيعاب للمخيمات التي تم انشاؤها لهذا الغرض، والبالغة قدرتها الاستيعابية 125 ألف نازح فقط! وهذا يعني انه في حالة وصول النازحين إلى الرقم الذي توقعته المنظمات الدولية، وهو مليون نازح، فان عددا كبيرا منهم لن يجد مكانا يأويه مع اجواء البرد الشديد الذي تتميز به المنطقة! وبالعودة إلى أرقام الموازنة الاتحادية العراقية لعام 2017 التي تم إقرارها مؤخرا، فان ما حصل عليه النازحون بموجب المادة 33 من الموازنة، كان عبارة عن 40٪ من مجموع «استقطاعات» لمجموع الرواتب والمخصصات لجميع موظفي الدولة والقطاع العام والمتقاعدين لـ «دعم» النازحين! وهو مبلغ لن يصل بأي حال من الاحوال إلى مبلغ المليار دولار، لدعم أكثر من 3.034 مليون نازح حتى 22 كانون أول/ ديسمبر 2016، تبعا لأرقام منظمة الهجرة الدولية في آخر تقرير لها، وإذا أضفنا إليهم النازحين المحتملين من الموصل، هذا يعني ان الدولة العراقية، لم تخصص شيئا للنازحين في موازنتها، واعتمدت على الاستقطاعات من الرواتب! وفي مساومة غير أخلاقية، خصصت للميليشيات المقاتلة نسبة 60٪ من هذه الاستقطاعات! أي أن النازحين كانوا جزءا من مساومات للحصول على «الدعم»! وفي المحصلة لم تخصص الدولة العراقية للنازح العراقي سوى مبلغ 250 دولارا فقط لسنة كاملة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.