قلعة باشطابيا تتوشح بالثلوج

اعداد : أكرم الطائي

أثارت صورة للدكتور سعد سالم للثلوج وهي تغطي قلعة باشطابيا كل أوجاعها وأنينها، وأثارت الكتاب والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ونالت إعجاب كل من شاهدها، وهنا كان لنا وقفة في ذاكرة مدينة لهذا المعلم التاريخي في محافظة نينوى.

قلعة باشطابيا أو قلعة الموصل قلعة قديمة تقع في الجانب الأيمن من مدينة الموصل في محافظة نينوى في شمال العراق على ضفة نهر دجلة ويعود تاريخ تأسيسها في القرن الثاني للهجرة، ويرجع تسمية باشطابيا إلى اللغة تركية وتتألف من مفردتي (باش- رئيسي) (طابيا- برج) وتعني – البرج أو القلعة الرئيسية- وسميت بهذا الاسم لأنها تقع في أعلى نقطة في الموصل القديمة على ارتفاع 75 قدما من مستوى سطح البحر من جهة اليابسة و150 قدما من جهة نهر دجلة .

أنشئت القلعة في عام 126- 128هـ من قبل مروان بن محمد, الأموي وبنى الحمدانيون سور الموصل في عام 180هـ، ثم تعرضت القلعة للهدم من قبل البساسيري في عام 450هـ وقد عيد إعمارها من قبل شرف الدولة العقيلي عندما عمر الموصل في عام 474هـ 1081م, واهتم في القلعة في عهد الدولة الأتابكية، في عهد عماد الدين زنكي وابنه نور الدين زنكي في القرن الخامس للهجرة، وكانت الحصن الشرقي للدولة الأتابكية وقد هدمت في حملة هولاكو عام 660 هـ وفي حملة تيمورلنك 726 هـ وأعيد أعمارها في عهد الوالي بكر باشا إسماعيل الموصلي مع سور الموصل في عام 1625م وأضاف إليها برجا عاليا وتم ترميمها وإعمارها في عهد والي الموصل حسين باشا الجليلي 1743م .

تعد آثار قلـعة باشطابيا من المواقع الآثارية في الموصل, حيث تعد الجزء المتبقي من سور الموصل، وهي إحـدى المعالم الأصيلة التي تمثل شخصية المدينة وكانت تـزدحم بالسياح من داخل العراق وخارجـه وخاصة الأتراك، وتتكون القلعة من برج عال وغرف وحصن ومشاجب وأنفاق تحت الأرض تربط القلعة مع المدينة القديمة وأنفاق سرية أخرى إلى خارج المدينة ومخازن للعتاد.

حصار الموصل 1743م
لعبت قلعة باشطابيا دورا مهما في حصار نادر شاه للموصل عام 1743م حيث كانت مركزا لقيادة المعركة من جانب أهل الموصل بقيادة حسين باشا الجليلي، بعد أن حاصر نادر شاه الموصل بجيش تعداده ثلاثمئة ألف مقاتل ونيف، وأحاط بقلعة الموصل باشطابيا، وسلط نادر شاه ما يقارب200 مدفع على المدينة، ظلت تقصفها ليلا ونهارا، وقد فشل نادر شاه في احتلال الموصل، وقد تم رفع الحصار عن المدينة في يوم 23 تشرين الأول – أكتوبر من نفس العام بعد توقيع الصلح.
الواقع الحالي للقلعة.

تعرضت القلعة للإهمال وخاصة بعد احتلال العراق 2003، حيث تعرض برج القلعة إلى السقوط وأصبحت من بعد سرية للشرطة الاتحادية العراقية بدون مراعاة القيمة الأثرية للموقع وفي عام 2015 بعد اجتياح الموصل من قبل تنظيم الدولة تم القصف في العاشر من تموز بالقرب من القلعة، مما أدى إلى أضـرار القلعة، وهي مهملة إلى يومنا هذا.
تتداعى قلعة باشطابيا الموصلية وأضحت مهددة بالانهيار والانمحاء الكلي، هي هنا تتحول إلى استعارة كبرى عند الشاعر العراقي “عبد الله سرمد الجميل”، لتصبح كل قلعة على حدى رمزا لرؤية الوطن اليوم في انجراحاته المتواصلة، ليتحول انهيار القلعة إلى انهيار لوطن بأكمله في ظل ما يعيشه من تناحرات وأطماع ..

القلعةُ الأولى:
ما الذي يجعلُ اللّيلَ أبيضَ؟
قمرٌ تافهٌ بحجمِ عُشْرِ مأساتِنا؟
لا …
سفينةٌ بلونِ الفضّةِ؟
لا …
قلعةٌ بطعمِ الحصارِ؟
لا …
قبلةُ البرتقالِ وفانوسُ الحكواتيِّ ؟
لا …
ما يجعلُ اللّيلَ أبيضَ،
فتاةٌ تتأمّلُ القمرَ،
أو سفينةٌ للنّازحينَ تبزُغُ من فُوّهةِ الوقتِ،
أو جثّةٌ بخاصرةِ القلعةِ،
أو دخانُ قصفٍ يلتحفُ الدّمعةً،

*
القلعةُ الثانيةُ :

في برجٍ غربيٍّ من أبراجِ قلعةِ باشطابيا،
استقرَّت الرصاصةُ في قلبِ الجنديِّ الخافرِ،
وعلى شِعَابِ الجبالِ لمعتْ خُوَذُ الأعداءِ،
ودوّى الصهيلُ في هياكلِ البناءِ غيرِ المكتملِ،
كانت آخرُ كلماتِ الجنديِّ الخافرِ:
من يغسِلُ مطرَ العراقِ مما عَلِقَ بهِ من بارودِ الغدرِ؟
الآنَ أطلبُ كاميرا العرضِ البطيءِ،
لأرجِعَ الزمنَ بِضْعَ ثوانٍ وأُوْقِفَ هذهِ المهزلةَ،
*

القلعةُ الثالثةُ:

إنَّ قلعتَكِ التي تتوضَّاُ بالنارِ عندما أقتربُ،
سيُشرِعُ حرّاسُ أنوثتِها الأبوابَ لخيولي القادمةِ من البحرِ،
خيولي التي ستملِّحُ الصدوعَ في الأسوارِ،
خيولي التي ستتوضَّأُ بالجلّنارِ،
*

القلعةُ الرابعةُ:

يا حارسَ القلعةِ نَمْ مطمئنّاً،
فالحجارةُ التي مسَّدَتْها يداكَ عينٌ لا تخونُ ولا تنطفئُ،
والجدرانُ التي يمسُّها غيرُ أهليها ستنتحِرُ،
وهواءُ القلعةِ الرائقُ سيمسي خانقاً إذا تسلّلَ أحدُهم،
والرمالُ ستبتلعُ من يجرؤُ على الخطوةِ الخائنةِ،
*

القلعةُ الخامسةُ:

لن أكونَ قلعةَ رملٍ ساذَجَةً على الشاطئِ تُحطِّمُها الأمواجُ،
لن أكونَ قلعةً للسائحينَ يزعجونَها أنّى يشاؤُونَ،
لن أكونَ قلعةً مهجورةً تُمارَسُ الخَلَوَاتُ في أقبائِها،
لن أكونَ قلعةً مشوَّهَةً تدلُّ على الضَّعْفِ،
سأكونُ قلعةً عصماءَ لا طريقَ منها ولا طريقَ إليها،
قلعةً مزخرَفَةً أسوارُها بالنجومِ،
قلعةً يشيرُ الجميعُ إليها ولا يصلونَها،
*

القلعةُ السادسةُ:

قلعةُ الرئيسِ ثقيلةٌ،
لكنّها سهلٌ حملُها في فقاعةِ الصابونِ التي يلهو بها الأطفالُ،
قلعةُ جسدِكِ من حجرِ الماءِ،
قلعةُ الصقرِ من حجرِ الهواءِ،
وقلعةُ الحصارِ من حجرِ السهرِ،
*

القلعةُ السابعةُ:

القلاعُ التي تلوِّحُ لي بالغربانِ لن أدخلَها،
القلاعُ التي يدّعي أقزامُها الشِّعْرَ سأنزلُ علمي عنها،
والقلاعُ التي يعجِنُ الرصاصُ مساماتِها لن أستنشقَها،
*

القلعةُ الثامنةُ:

في اليومِ الثامنِ من أيّامِ الأسبوعِ،
كانت الحيتانُ تتقافزُ فرحاً،
والشاعرُ قالَ: ماذا لو امتدَّ بي بصري بعيداً بعيداً حتّى ألمحَ قلبي،
في اليومِ الثامنِ من أيّامِ الأسبوعِ،
تقرُبُ غيمةٌ غامقةُ الظلِّ لتُرضِعَ قلعةَ الشاعرِ،
حيثُ القصائدُ تسطَّرُ بدمعِ الطرائدِ،
*

القلعةُ التاسعةُ:

قبلَ أن تشيِّدَ قلعتَكَ في العراقِ،
قلْ للمهندسِ: خطِّطْ لي ممرّاتٍ سريّةً للهروبِ فالغدرُ وراثةٌ،
قبلَ أن تشيِّدَ قلعتَكَ في الصحراءِ،
قلْ للمهندسِ: خطِّطْ لي نافورةً أندلسيّةً فالعزلةُ ذئبٌ،
قبلَ أن تشيِّدَ قلعتَكَ في جسدِها،
تأكّدْ أن تربةَ جلدِها طريّةٌ نديّةٌ مشبعةٌ بالقُبَلِ،
وقبلَ أن تشيِّدَ قلعتَكَ سوراً خلفَ سورٍ خلفَ سورٍ،
تأكَّدْ أن تتركَ نافذةً في الجدارِ،
علَّكَ تحافظُ على شيءٍ من ذلكَ الإنسانيِّ فيكَ !
*

القلعةُ العاشرةُ:
أينَ ذاكَ الحاكمُ العادلُ الذي إن أصابَ الرعيِّةَ داءٌ،
قالَ: لا تخرجوا من قلعتِكم كي لا تنشروهُ،
أينَ تلكَ القلعةُ التي عدَلَتْ فأمِنَتْ فنامَتْ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *