الدلالات الخطيرة لمقتل السفير الروسي في تركيا / رأي القدس

 

 

 

يثير مقتل السفير الروسي في أنقرة أندريه كارلوف، أول أمس الاثنين، على يد ضابط مكافحة الشغب التركي الشاب، (22 عاما)، مولود ألطن طاش، مجموعة من الاشكالات السياسية التي فرضها الحدث السوري وطريقة تفاعل الطرفين، الروسي والتركي، معه، وخصوصاً على ضوء المأساة المتتالية فصولها في حلب حاليّا، من حصار وقتل وتهجير واذلال جماعي، تقابله شماتة كبرى وأفراح وشعور غامر بالانتصار لدى أنصار النظام السوري وحلفائه الروس والايرانيين.

رد الفعل السريع للسلطات التركية تبدى من خلال محادثة الرئيس رجب طيب اردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين وإلى الموافقة على وصول لجنة رسمية روسية للتحقيق في الحادثة، وكذلك احتجاز واستجواب والدي وأقرباء وزميل منفذ العملية، وصولاً الى الإعلان عن صيغة موحدة للتعامل مع القضية باعتبارها فعلا ارهابيا، وتعهد البلدين بمواصلة «مكافحة الإرهاب».

كل هذه الاجراءات التي تعبر عن «سير الأعمال كالمعتاد» لن تستطيع عملياً أن تمحو آثار العملية التي حصلت، لأسباب عديدة، تتعلّق بداية باستمرار التراجيديا السورية ومفاعيلها الخطيرة على المنطقة، وعلى تركيا بالتحديد التي تحاول التعاطي بواقعية مفرطة لا يصعب أن يعتبرها شعبها، بما فيه جمهورها المتحمس لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم نفسه، شكلاً من أشكال الرضوخ لروسيا، التي تجمعها بتركيا حدود مشتركة طويلة، وعلاقات اقتصادية هائلة، ولكنّ الأمتين يربطهما أيضاً ماض مليء بالحروب التي خلقت أحقادا تاريخية وسياسية ودينية شهدنا صعود بعض فصولها العنيفة بعد حادثة اسقاط أنقرة لطائرة السوخوي الروسية في تشرين ثاني (نوفمبر) نهاية العام الماضي تمثلت بعقوبات اقتصادية وشحن سياسي واعلامي يستخدم قوالب دينية وتاريخية.

العملية ستترك آثارها العميقة في وجدان الشعب التركي أيضاً بسبب المشهدية الرمزية والدرامية العالية التي حققتها، فعلى عكس التنميط التقليدي المعتمد في العالم للإرهابي فإنه جاء من الجمهور التركيّ العامّ بل إنه ينتمي إلى صلب الأجهزة الأمنية للسلطات التركية، وربما يكون من المصوتين التقليديين لحزب «العدالة والتنمية». لم يكن الشاب ملتحياً، وبدا طبيعياً في اللباس الرسمي وربطة العنق التي يلبسها، ومن غير المتوقع أن يجد المحققون الروس علاقة له بالتنظيمات التي تعتبرها موسكو إرهابية (رغم اتساع منظورها لهذا التعريف)، وكان واضحاً من المقطع المصوّر للشاب أن رسالته، التي دفع حياته ثمنا لها، واضحة وتتعلّق بموقف المواطن التركيّ البسيط الذي يريد الانتقام لإخوته السوريين في الدين مما يعتبره اعتداء وتواطؤا روسيا عليهم.

على عكس العمليات الارهابية لحزب العمال الكردستاني وتنظيم «الدولة الاسلامية» اللذين يخوضان صراعاً دموياً مع السلطات التركية لا يهتم بوقوع الضحايا المدنيين (أو بالأحرى يستهدف وقوع أكبر عدد منهم) فإن عملية مولود ألطن طاش اختارت هدفاً رمزياً واضحاً هو رأس الدبلوماسية الروسية في تركيا، وربط منفذها فعلته بدلالة رمزية أيضا يعتبرها مئات ملايين المسلمين جزءا من عقيدتهم وهو مبايعة النبي محمد على الجهاد.

لم يهاجم ألطن طاش، في كلماته الأخيرة، سلطات بلاده ولكنّ عمليّته تكشف الثغرة الكبرى بين الحاجات السياسية الواقعية لتركيا كبلد وبين مشاعر مواطنيها الذين يشعر كثير منهم، مثل إخوانهم في سوريا، بالإذلال والهزيمة والإحباط، وهو ما دفع شاب في مقتبل عمره، لا يشكو من عوز أو حاجة ولم تحتلّ أرضه ويقتل أقرباؤه أو يهجّروا من بيوتهم، إلى قرار خطير كلّفه حياته.

عمليّة مولود ألطن طاش لاخلاف على انها عملية إرهابية، استهدفت دبلوماسيا يشارك بنشاط ثقافي، لكنها بلاشك تعكس حالة الإحباط التي وصلت إليها شعوب المنطقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.