أطروحة رصينة لوزير التعليم العالي عدنان حسين

 

 

 

سيكون وزير التعليم العالي والبحث العلمي، د. عبد الرزاق العيسى، قد قدّم خدمة ثمينة للعراق والشعب العراقي، إن هو تمسّك بما وعد به للتوّ وحقّقه، أو في الأقل وضع الأساس المكين له.

الوزير العيسى قال في بيان بثّته وزارته الخميس إنه عاقد العزم على ” إعادة النظر بالقيادات الجامعية التي لم تحافظ على استقلال الجامعات وجعلت منها على مقربة من محك الاستعراضات الانتخابية المبكّرة التي تهدّد هوية المؤسسة الأكاديمية العراقية”.

هذا كلام انتظرنا قوله وفعله منذ سنوات تزيد على العشرة، فالخلاص من نظام الحزب الواحد لم يُعِد لجامعاتنا حرمتها المُنتهكة، بل إن هذه الحرمة قد انتهكت على نحو لا يقلّ سوءاً عن السابق، بالسماح للميليشيات المسلحة بالنشاط داخل الجامعات والتدخّل في العملية التعليمية والحياة الاكاديمية. هذا ساهم، مع عناصر أخرى، في الحطّ من قدر التعليم العالي في العراق الذي كان ذات يوم أنموذجاً يُقتدى به أكاديمياً في المنطقة ويحظى بالتقدير والاحترام في سائر أرجاء العالم، وكان الأكاديميون العراقيون عملة نفيسة مرغوبة في الجامعات الأخرى.

خراب التعليم العالي بالذات يعني خراب كل شيء: البحث العلمي، والتعليم الأدنى، والعمل الإداري للدولة، والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن السياسية.

حرمة الحرم الجامعي، ومصلحة الطلبة والاساتذة، تُلزمان وزارة التعليم العالي وإدارات الجامعات وقياداتها بالتمسّك الصارم باستقلالية الجامعة عن العمل السياسي، وإبعادها عن مسرح العمليات السياسية المُزدحم بالجماعات المتنافسة والمتصارعة، والمثيرة حتى لأعمال العنف، وهو مما يؤثّر على نحو بالغ السوء على الحياة الأكاديمية المطلوب منها تهيئة وإعداد نخبة المجتمع التي تقوده إلى ما يحقّق تنميته وتطوره ورفاهه .

هذا لا يُمكن إنجازه إلا بـ “تعليم عالي الجودة وبإدارات كفوءة، بعيداً عن كلّ الإسقاطات التي تغذّيها الاجندات ذات الأهداف غير الأكاديمية”، كما جاء في بيان د. العيسى الذي قرّر أيضاً بصواب “أن الجامعات لن تكون جزءاً من الحسابات السياسية ولن نسمح بتوظيفها على حساب المصلحة العامة”.

هذه المهمة الوطنية تحتاج أيضاً إلى أن تُستكمل بمهمة ضمان جودة التعليم العالي ورصانته. تعليمنا العالي الذي تردّى مستواه كثيراّ في ظروف الحروب الداخلية والخارجية والحصار والتبعيث في عهد النظام السابق، لم يستعد عافيته في العهد الجديد، فبدلاً من حزب واحد يتدخّل في شؤون التعليم، صار لدينا الآن العشرات من الاحزاب والجماعات والميليشيات التي تسعى لفرض إرادتها على الجامعات بقبول غير المؤهلين من عناصرها في الدراسات العليا، وبتعيين غير الأكفاء من حملة الشهادات غير الرصينة ومعدمي الخبرة، في القيادات الجامعية والهيئات التدريسية.

الوزير العيسى لديه ما يزيد على السنة ليتقرر ما إذا سيبقى في منصبه أو يُستغنى عنه (لصالح مُحازب!) بعد انتخابات العام المقبل.. في وسعه أن يفعل الكثير في هذه الفترة لجهة ما قد وعد به، وما ينتظره العراق والعراقيون منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *