ثلاثة أشهر لحسم قانون الانتخابات وصراع متوقع حول الدائرة الواحدة والدوائر المتعددة

عراقيون / متابعة
تدور في كواليس الأوساط السياسية حالياً مناقشات مستفيضة، بشأن قانون الانتخابات، الذي يعتزم مجلس النواب مناقشته ومن ثم عرض المشروع قبل التصويت عليه، في وقت تشهد الكتل السياسية خلافات حول القانون، فمنها من تؤيد العمل بالنظام الذي تم العمل به في الانتخابات الاخيرة 2019 المعتمد على الدوائر المتعددة، فيما تؤيد أطراف أخرى العودة الى النظام السابق المتمثل بالدائرة الانتخابية الواحدة. في 24 كانون الأوّل 2019 أقرّ مجلس النواب العراقي قانوناً لتنظيم الانتخابات البرلمانية في البلاد، وصادق عليه رئيس الجمهورية السابق برهم صالح، في مطلِع تشرين الأوّل 2020 بـ”تحفّظ”، مُغايراً تماماً للقوانين الانتخابيّة التي أقرّها العراق منذ 2003، وأجرى بموجبها أربعة انتخابات نيابية بين 2005 و2018.  بدلاً من اعتماد البلاد كدائرة انتخابية واحدة، مثلما حصل في انتخابات 2005 – وهي الأولى بعد غزو البلاد عام 2003 – أو اعتماد كل محافظة من محافظات العراق الـ18 كدائرة انتخابية، كما حصل في الانتخابات الثلاثة اللاحقة، فإن القانون الأخير قسّم العراق إلى 83 دائرة انتخابية للوصول الى المقاعد النيابية البالغ عددها 329 مقعداً. جاء إقرار هذا القانون تحت ضغط الشارع العراقي الذي شهد تظاهرات هي الأوسع والابرز في تاريخ العراق الحديث، والتي طالبت بإصلاح سياسي واقتصادي شامل، وكانت من أبرز مطالب المتظاهرين الأساسية، سنُّ قانون عادل للانتخابات، يخفّف من احتكار الأحزاب المتنفذة، ويتيح بدخول مستقلين وأحزاب ناشئة وصغيرة إلى البرلمان. “الدوائر المتعددة أكثر انصافاً” بهذا الصدد، يقول النائب عن اشراقة كانون مصطفى الكرعاوي، لشبكة رووداو الاعلامية، انه “لا يوجد أي كلام رسمي بخصوص قانون الانتخابات المقبل، سواء من حيث الرؤية او المشهد القانوني، وما متداول هو فقط مقترحات وتسريبات خلف الكواليس، والآراء متداولة في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي”. ورأى الكرعاوي أن “القانون الانسب للانتخابات هو القانون الذي تم اعتماده في الانتخابات السابقة عام 2021، وهو اعتماد الدوائر المتعددة والذي يعد أكثر انصافاً، على اعتبار حصل توزيع عادل لتمثيل المناطق، ويفوز المرشح بأصواته وليس اعتماداً على أصوات رئيس كتلته، وبالتالي سيكون مديناً له، لأنه فاز بأصوات غيره”، منوها الى أهمية “من يفوز بالاصوات، والذي يكون استحقاقه أكثر، خصوصاً من له سيرة ذاتية وشعبية ستكون فرصته أكبر بالفوز بالانتخابات، وبالتالي وجود تمثيل حقيق لرأي الشعب”. عضو مجلس النواب عن اشراقة كانون مصطفى الكرعاوي، انتقد “بعض الاشخاص الذين لديهم امكانية عالية في الحصول على اصوات عالية، يقومون بتصعيد أشخاص لا يستحقون الفوز بالانتخابات، وهذا الأمر غير منصف”، وفق رأيه، معتبراً أن “بقاء القانون بنفس وضعه هو الحل الأنسب”. القانون الذي تم العمل به في الانتخابات الماضي 2021 يعد تحولاً في عمليّة حساب الأصوات والفوز للمرشحين، إذ يحدد الفائز بأعلى الأصوات بدلاً من اعتماد طُرق حسابية تجعل دخول المستقلين إلى مجلس النواب مُهمّة شبه مستحيلة، كما إن الأصوات تذهبُ مباشرةً إلى المرشّح بدلاً من القائمة مثلما كان الحال في القوانين الانتخابية السابقة، ولا يوزّع الفائض منها على مرشحين في حزبٍ ما، أو القائمة الانتخابية ذاتها، الأمر الذي سهّل صعود نواب يمثلون أحزابهم وليس جمهورهم. “احتساب المحافظة دائرة انتخابية أفضل نظام” من جانبه، قال عضو تيار الفراتين النائب السابق علي الغانمي لشبكة رووداو الاعلامية ان “قانون الانتخابات في الفترة المقبلة سيخضع لمناقشات مطولة، وتكون هنالك قراءة مطولة لمصلحة الكتل السياسية والعملية الانتخابية في العراق، اضافة الى عرض التجارب التي تم استخدامها في الانتخابات منذ 2005 ولحد الان”. ورأى الغانمي، وفق رأيه الشخصي أن “ما حصل في انتخابات 2021 كان نمطاً جديداً أثار الجدل وعدم المقبولية لدى الكتل السياسية”، عاداً “احتساب المحافظة دائرة انتخابية هو افضل نظام انتخابي حسب اعتقادي، لأن النائب في البرلمان يمثل عموم الشعب العراقي”. وأوضح أن “انتخابات مجلس المحافظات ممكن ان تعتمد على نظام دوائر انتخابية، لكن في انتخابات البرلمان يفضل اعتماد المحافظة كدائرة انتخابية واحدة بالتعديل على القانون”، مستدركاً أن “هذا الامر سابق لأوانه، لكون النقاشات ستكون مستفيضة لاتخاذ قرارات من مصلحة الشعب العراقي”. بخصوص موعد طرح هذا الملف في مجلس النواب، توقع الغانمي “تقديم قانون الانتخابات في الأشهر الثلاثة المقبلة، وسيكون فيه جدل واسع”، مؤكداً على ضرورة أن “يحسم هذا القانون من قبل الكتل السياسية لتهيئة الشارع لآلية العمل الانتخابي، ولتناسب مع متطلبات الشارع العراقي”. وخضعت الانتخابات العراقية في اعتماد قوانينها إلى قاعدة التجربة والخطأ، ولطالما وُجهت إليها انتقادات واتهامات بأنها جسّدت نوعاً من المحاباة لصالح الأحزاب السياسية، كما ويعود إلى الشارع العراقي الدور الأبرز في تغييرها أو تعديلها. مرت الانتخابات العراقية بعد عام 2003، بعدة مراحل، حيث استندت أول انتخابات تشريعية إلى ملحق قانون إدارة الدولة الانتقالية الذي تم تشريعه في 2004 لانتخاب الجمعية الوطنية المؤلفة من 275 عضواً، والتي كانت مهمتها الأساسية وضع الدستور العراقي، والإعداد لانتخابات مجلس النواب، والتي اعتُمد فيها النظام النسبي. واعتُبر العراق آنذاك دائرة انتخابية واحدة مع إقرار القوائم الانتخابية المغلقة، في حين تم احتساب الأصوات بناء على نظام “العتبة الانتخابية” الذي ينتج عن تقسيم عدد الأصوات المقترعة على عدد المقاعد البرلمانية أو ما كان يعرف بـ”القاسم الانتخابي”، فيما شرعت الجمعية الوطنية قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 من أجل انتخاب مجلس النواب عبر اعتماد آلية النظام النسبي، وتقسيم العراق إلى 18 دائرة انتخابية بواقع دائرة لكل محافظة. وأبقت الجمعية على آلية القوائم الانتخابية المغلقة واحتساب نظام الأصوات وتوزيع المقاعد على القاسم الانتخابي. وكانت أول عملية اقتراع بعد إقرار دستور عام 2005، ونتيجة الانتقادات التي وُجهت إلى القانون حدث التعديل في انتخابات 2010، وأصبحت القوائم نصف مغلقة ونصف مفتوحة (شبه مفتوحة)، وأبقي النظام الانتخابي بصفة عامة على قاعدة (النسبية)، كما تم رفع عدد أعضاء البرلمان الى 325 عضواً بدلاً من 275. وفي انتخابات 2014 تبنّت البلاد قانوناً جديداً رقم 45 لسنة 2013، في محاولة لتجاوز الانتقادات الموجهة للنظام الانتخابي السابق، وكان أهم اختلاف هو اعتماد نظام “سانت ليغو” المعدل (1.7)، لاحتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، مع رفع عدد المقاعد إلى 328 مقعداً، قبل أن يُعدل لاحقاً في انتخابات 2018 ويعتمد نظام “سانت ليغو” وفق معادلة (1.9) مع رفع عدد المقاعد إلى 329، لكن هذا النظام قوبل بانتقادات شديدة بوصفه يزيد من تمركز المقاعد بيد القوى المهيمنة ويمنع وصول أحزاب جديدة. ونظام “سانت ليغو” طريقة ابتكرت عام 1910 لضمان تمثيل الكتل الانتخابية الصغيرة، ويعتمد على قسمة إجمالي الأصوات الذي تحصل عليه كل قائمة أو كتلة، على أرقام فردية صحيحة (1 و3 و5 و7 و9 و11) وبعد إجراء القسمة يتم تخصيص المقعد الأول لأكبر رقم من حصيلة القسمة، وثاني مقعد لثاني أكبر رقم من حصيلة القسمة وهكذا، حتى انتهاء توزيع المقاعد المخصصة لكل دائرة. وأدى اندلاع حراك تشرين عام 2019 إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، وإقرار البرلمان قانون انتخاب جديد رقم 9 لسنة 2020 تحت ضغط الشارع، ليتم فيه تبني نظام الأغلبية أو الأكثرية بدل نظام النسبية الذي كان قائماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.