محمد صالح البدراني يكتب| عبد الكريم الكدراوي قامة موصلية

عراقيون/ مقالات رأي
ضرورة وجبت:
كنت أتمشى في احد مناطق أربيل مع سعد، وسعد صديق وزميل قديم، فدار حديث عن القيم والأخلاق وتطلعات النخبة فحدثته عن موقفين أو ثلاث حدثت أمامي من أبي وكان قامة من نخب الجيل السابق ونظرته إلى الأمور بتجرد من الأنا وان كانت فردية ربما، لا أريد أن ادخل في الخصوص من التفاصيل وليس حديثي عن أبي وانا الآن لا ابعد كثيرا عن عمره بحكم زواجه المبكر من امرأتين فاضلتين رحمهما الله كانتا مثالا للتضحية والعطاء وتحمل أسلوبه في الحياة الذي يحرم أهله في سبيل أن يفعل ما يفعل فقد بت جدا وهو أب لجد، لكن أن تكتب في حياته عنه ليس ككتابتك عن إنسان ترك الدنيا فلم يعد ير من جهده إلا انه مقعد منفرد، وان جهده العالي منسي بلا وفي يفي أو من يذكر مواقف النفسية الراقية لهذه القامة التي بذلت جهدا في سلك التعليم والنشاط الاجتماعي وإعانة المحتاج ورد لهفة الملهوف، هذا الإنسان بعقلية من يفكر أن الربح بما تحصل علية فهو إنسان بدد ما ملك ولم يبن بيوتا وقصورا ولا أملاك لا ترى امتدادها العيون، وهو لمن يتصور السعاد ة بهذا المنطق فهو تعيس جدا لأنه لم يك يملك ما هو ملكه وإنما كان في خدمة الآخرين وعطاء بلا حدود أو تكلف فهي طبيعته لا يبذل جهدا أو يجبر نفسه ليفعلها، لقد كانت أمي إنسانة عظيمة وكانت زوجته الثانية مثالا للتفان والعطاء، ولن ينصفهم قلمي لكن من حقهم أن يسيل هذا القلم بحقائق لا مدح ولا ثناء وإنما صفة ربما كانت نموذجا ليس منفردا في عصر مضى أفعال النخبة فيه راقية وهم بشر خطاء وليسوا أنبياء، ولعلي أضع هنا بعض الحوادث لتستنير بها النخب عن نخب الماضي القريب التي لم تك تتعامل مع السياسة والمناصب وإنما تخدم في سبيل الله، ولعل الصياغة الأدبية للأحداث لا تخرجها عن حقيقتها.

مدير مدرسة يطارد الجهل:
هنالك حيث هذه القامة كان مديرا لمدرسة حديثة الإنشاء هي مدرسة الجرن الابتدائية، وكانت الطرق غير سالكة للمدينة فالمعلمون يسكنون القرية معظم الشتاء وهم من أنحاء العراق وليس من الموصل فحسب، وكانوا يعتبرونه أبا رغم أن سنه لا يزيد عن سنهم بل كانوا مستعدين لمشروعه في محو الأمية قبل تبني الدولة لهذا المشروع، ومشروع بناء خزانات على التل لتوزع المياه على الدور قبل أن توقفه الآبار الارتوازية وتغيير منابع العيون في القرية.

في جلسة تحت خيمة في قرية عبلة، وكان مجلس عزاء، وجدته يرد بقوة على علية القوم وهم صامتون، الشاب كان يخاف على أبيه من ردة فعل القوم وكان يراقبه أحد أفراد العشيرة (محمود العبد الله) بلحيته الأنيقة حول فكه، وكان الشاب يحب فرس الرجل الأصيل البيضاء المشوبة بنقاط سوداء، فبادره محمود بابتسامة محبة، (في فكرك الآن لماذا هو يتكلم هكذا والناس تتقبل منه بكل طيبة وقد اعتادت تفاعله مع قضاياهم وطرح حلولها كأمر لا مرد له) قال الشاب “نعم!” فقال عمه وكل رجال العشيرة عم، (لأنه كان يركب “البايسكل” ويطارد أبناءهم ويسحبهم من خلف الغنم ليدرسهم وكانوا يثقلون عليه بالكلام بما يصل الشتيمة، ويلقبونه بالحضري المجنون، ثم وجدوا هؤلاء الأبناء بين ضابط ومهندس وطبيب وشتى أنواع الوظائف، فعرفوا وفهموا انه يفعل ما هو في صالحهم ولن يردوا عليه أو يظنوا به السوء حتى لو شتمهم لان حياته لهم ومازال فابتسم الشاب وراح يصغي باطمئنان للحوار الغريب.

البقرة بلا عجل:
من سيارة جيب بتصميمها القديم نزل هو وابنه الطفل، ومر برجل واقف على الباب بدى عليه الخجل بما يمكن أن يقرأ انكسارا فسلم عليه ودخل البيت وتوجه إلى زوجته ليسالها عن سبب وقوف الرجل هكذا، فقالت رزقه الله بطفلة لكن أمها لا تدر الحليب فيأتي يوميا أعطيه من حليب البقرة، قال لها أتظنيه احد الخدم الذين ورثتهم عن أبيك، فاعتدلت المرأة فهذا الكلام قمة الغضب، فقالت لا كنت مشغولة بتحضير العشاء لان اعرف ستاتي تعبان، وهنا دخل شاوي فبادره أتستطيع الحصول على بقرة حلوب بدون عجل فقال نعم ن قال تشتريها وتأخذها لبيت هذا الرجل اقل ما يمكن أن نعوضه عن كرم أخلاقه وصبره.

مواقف لا تحصى:
مواقف هذه القامة التي اسم على مسمى لا تحصى بمقال، في تحسين الوضع المعاشي من خلال مشاريع صغيرة للبعض، إلى تضحيته بمعداته الزراعية لكي يتعلم أقرباؤه حياة جديدة ومهن استفادوا منها طيلة حياتهم، إلى تربية حيوانات كانت مشاعا للجائع قبل أن تكون تجارة، إلى إفراغ جيبه بل واهل بيته لحاجة الآخرين، مواقف تبدو في زمننا هذا أشبه بالخيال تملؤها الفروسية الحقيقية ممكن أن نحاكيها عن نموذج من النماذج وقامة من القامات، التي نحتاج اليوم لبعض من سلوكها القيمي والأخلاقي.

ما نريد من هذا:
إن ما يظهر من طارئين على الساحة اليوم ويظنون انهم يخدعون الأصلاء بمعسول الكلام الركيك المبعثر والسذاجة التي تدعو إلى الغثيان، ما يخدعون إلا انفسهم، وان الشره في أعينهم والضحالة الثقافية والسلوكية لا تحتاج كثيرا لكي تكون مفضوحة وأبطال القيم وقامات الهمم مازالت موجودة حية ترزق، واني لعلى ثقة أن عبدالكريم الكدراوي حين يقرأ له هذا لن يذكر منه شيئا فهو من ضمن سلوكه العفوي وقراراته ضمن منهجه دون تكلف، لكن في ذاكرة أبنائه ما يجعله قدوة فمن فكر ماديا فهو يعني الخسارة ومن فكر قيميا ومواقف إنسانية فهو الرقي القريب من منهج الحبيب في إدارة الحياة الفانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.