تجليات المشهد الدولي الحافل بالعنصرية والتعصب

محمد بدر الدين زايد دبلوماسي أسبق وأكاديمي

ربما كان أحد أبرز تجليات الأزمة الأوكرانية هو الكشف المتواصل للمدى الذي ما زالت فيه البشرية تعاني أحد أمراضها المزمنة عبر التاريخ، وهو العنصرية، وهو معضلة تعانيها المجتمعات المختلفة بدرجات متفاوتة، وكان نصيب الغرب منها النصيب الأكبر تاريخياً، ولا يعفي هذا المرض أكثر المجتمعات التي يعاني أبناؤها من العنصرية في خارج بلادهم من ممارسة العنصرية تجاه الآخرين في بلادهم.

وقد سبق وأن ناقشت عمق هذا الداء في المجتمع الأميركي، وكيف أن هذا المجتمع الذي حاول أن يكرّس نفسه نموذجاً للديمقراطية هو نفس المجتمع الذي قدم أحد أسوأ نماذج البشرية في العنصرية، فقد خاض حرب التحرير والاستقلال في أحد أسبابه، دفاعاً عن استمرار هذه العنصرية، ثم خاض واحدة من أطول وأشرس الحروب الأهلية في التاريخ، للتحرر الشكلي من هذه العنصرية، ليبقيها ممارسة عملية لتكون محور النضال السياسي والاجتماعي، لهذا المجتمع من دون حسمها نهائياً حتى الآن.

لكن حجم ما تكشف عن عمق هذه التوجهات العنصرية حول الأزمة الأوكرانية تبين أنه لا حدود له، وأنه يعكس خللاً كبيراً لا يمكن التغاضي عنه، ولا إنكار دلالاته.

خلل عنصري متعدد المستويات

ربما كان أبسط مظاهر الخلل، هو ما حدث على الحدود الأوكرانية من عمليات تمييز ضد الأفارقة وغير الأوروبيين عموماً أثناء عمليات النزوح والهرب من ساحات المعارك، وقد طفت روايات في الإعلام الدولي والغربي، واضطرت معها منظمات حقوقية وحتى الاتحاد الأفريقي لإصدار بيانات احتجاج وغضب من هذه الممارسات، واضطرار السلطات الأوروبية على جانبي الحدود الأوكرانية، لتخفيف بعض هذه الممارسات جزئياً من دون إنهائها تماماً، بخاصة في ظل حالة التعمية والانتقائية في الإعلام الغربي بشكل خاص، ومن ثم تجاهل كثير من الأخبار والمعلومات التي لا تستقيم مع ما يريد هذا الإعلام التركيز عليه.

كما أثارت مظاهر الترحيب والكرم الغربي تجاه النازحين الأوكرانيين كثيراً من المقارنات المشروعة مع الصدامات والرفض الذي قابل اللاجئين السوريين، وأدى إلى توظيف تركيا ورقتهم في ابتزاز أوروبا التي لم تكن تتحمل رؤيتهم في أراضيها، كما تذكر كثيرون الانتقادات والهجوم الذي تعرضت له ميركل في بلادها وفي دول أوروبية أخرى لموقفها الإيجابي في قضية اللاجئين السوريين.

الفوضى تعم كييف والأوكرانيون بين الفرار وتخزين السلع

على أن أخطر أبعاد العنصرية تجلت في عمق الأزمة الأوكرانية ذاتها، فيما يتعلق بأحد أبعاد الصراع الرئيسة في مفردات هذه الأزمة، وهي الاصطفاف الأوروبي ضد المكون السلافي الأورثوذكسي في هذا النسيج الأوروبي، وبدوره ظهر هذا في عدة أبعاد، فكما هو معروف لا تشكل أوكرانيا نسيجاً واحداً، ففي الشرق أغلبية سلافية روسية أرثوذكسية يعدونها مصدر العرق السلافي الروسي ذاته، ثم جرى توسيع الحدود الأوكرانية بضم أجزاء من الدول المجاورة لها بعد تحريرها من الاحتلال النازي، فتشكلت كتلة واسعة كاثوليكية، ثم كانت القصة المعروفة من ضم خروتشوف الأوكراني الأصل لشبه جزيرة القرم، التي كانت محل صراع بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية سابقاً، وسكانها أغلبهم من العرق السلافي الروسي، نقول ضم خروتشوف هذه المنطقة إلى أوكرانيا لتصبح جزءاً من الدولة المستقلة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، التي استعادتها روسيا عام 2014، في الحرب المعروفة بهذا الصدد.

لكن المهم أن جزءاً مهماً ممن يقود التباعد عن روسيا يأتي من هذا المكون الكاثوليكي وأغلبه سلافي، ليتكشف بالتالي أن هناك بعداً لا يمكن تجاهله من التمييز والمعاملة العنصرية لأبناء القومية الروسية، كانت موسكو تشكو منه سنوات طويلة، لكن الإعلام الغربي يتجاهله كالعادة ولا يسلط عليه الضوء .

وليس من الواضح ولا المفهوم حجم العداء والتخوف الغربي البريطاني والأميركي تجاه روسيا ورفض محاولة احتوائها، وكانت هناك فرص سانحة كبيرة بهذا الصدد، فحتى بعد وصول فلاديمير بوتين للحكم الذى كان مستعداً للانضمام حتى للناتو، ومواصلة بلاده للتغير التدريجي ولو البطيء والمذبذب في اتجاه إرساء التقاليد الديمقراطية، لكن إصرار العاصمتين الأنجلو ساكسون (واشنطن ولندن) على عدم تقبل التطور المتزايد في العلاقات والشراكة بين موسكو من ناحية وبرلين وباريس من ناحية أخرى كان خلف التطورات الأخيرة إلى حد ما ضمن أبعاد عديدة، وإن كان صحيحاً أن بوتين قاد روسيا بعد ذلك في اتجاه نموذج سياسي بعيداً عن الديمقراطية الحقيقية، وتلاها بخطوات تحرك عسكري أثار قلق العاصمتين واشنطن ولندن.

ثم بعد ذلك شاهدنا محاولات الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، للتقارب مع موسكو وطرح استراتيجية تركز على الصين، لكن هذا اصطدم بقسوة برفض مؤسسات الدولة الأميركية من البنتاغون والخارجية والاستخبارات لهذا التوجه، ليأتي بايدن طارحاً استراتيجية تقوم على المواجهة مع كل من موسكو وبكين، ثم تواصل إدارته ضغوطها ومحاصرتها لبوتين لدفعه في هذا الاتجاه والاستفادة من تركيبة الرجل والشعور الروسي بالتهديد المبرر من ضم أوكرانيا لحلف الأطلنطي.

وهنا أوضح أن هذا الحديث ليس تبريراً لغزو دولة مستقلة، ولا تجاهلاً لسيطرة النزعة الإمبراطورية على عقل الرئيس بوتين، لكن من الإنصاف ملاحظة أنه كانت هناك محطات ومراحل كان يمكن فيها احتواء روسيا ودفعها لمزيد من المصالح المشتركة مع الغرب التي كان يمكن توظيفها لتخفيف نزعات بوتين إن لم يكن تقليصها بدرجة كبيرة.

معايير مزدوجة

ثم تأتي قمة العنصرية في المشهد والمعايير المزدوجة، وهو حجم الانتقام الغربي من روسيا وحجم العقوبات التي امتدت إلى الثقافة والرياضة الروسية وهي أخطر ما في كل هذا المشهد، العنوان منطقي غزو دولة مستقلة، لكن سلسلة ردود الفعل غير المسبوقة والازدواجية واضحة ويشير إليها كثيرون في دول الجنوب، بخاصة العالم العربي عند تذكر ما حدث في العراق وقبلها الظلم المتواصل للشعب الفلسطيني، وحتى بعض الأصوات الغربية المنصفة بدأت في الحديث في نفس الاتجاه، وهنا نؤكد أن خطأ الغزو لا يغتفر في جميع الأحوال، وأن الإشكالية تتعلق بهذه المعايير المزدوجة التي سبق لنا وغيرنا عرضها في مواضع أخرى.

كان سجل العنصرية الغربية، عندما وصلت قمتها في الفكر النازي، أن الجنس الآري الألماني يفوق باقي الشعوب الأوروبية وشعوب العالم أجمع، وكان هذا الفكر بعداً واحداً من مشهد معقد فيه المصالح الاقتصادية الإمبراطورية، ودوافع الانتقام من الإذلال التاريخي في الحرب العالمية الأولى، وقاد هذا البشرية إلى كارثة وتجربة شديدة القسوة ولم يتعلم منها الغرب، على الأقل حتى الآن.

وسجلنا من قبل أن تقاليد العنصرية الأميركية كما كشفتها تجربة الترمبية تتجاوز التعالي على الشعوب والأقليات السمراء أو غير البيضاء بتنويعاتها إلى حتى التعالي على البيض غير الأنجلوساكسون الذين شكلوا وكونوا جزءاً من هذه المجتمع في بداياته، وتجاهلوا الملايين من البشر الآخرين الذين أسهموا في نهضة هذا الاقتصاد، ويسهم كثير من علمائهم وفنانيهم وعمالهم اليوم في استمرار الظاهرة الأميركية حتى لو كانت في تراجع نسبي.

وما يؤسف أن الأزمة الأوكرانية كشفت عن تسلسل طبقي عنصري في العقل الأوروبي الغربي، ففي قمته الأنجلوساكسون وفي وسطه الأوروبيون الآخرون، ثم يأتي الروس السلافيون، ويأتي الآخرون الملونون في طبقات أخرى متتالية، وربما كانت هذه الخلفية أحد مكونات المشهد الآخر في الصورة الذهنية والمشاعر المعقدة لأبناء عالم الجنوب، على الأقل القطاعات الشعبية غير الرسمية.

الاندبندنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.