رمضان حمزة يكتب: كيف السبيل الى تبني سياسة مائية مستقبلية ضمن اطار منهجي للضغط على الاصرار الايراني الرافض لمبدا قسمة المياه مع العراق

موقع العراق الجغرافي مع ايران جعلت المصالح مع إيران الجارة الشرقية متوافقة في بعض الأحيان، ومتناقضة في أحيان أخرى. والمصالح المتوافقة ساعدت على بناء وإرساء علاقات للتعاون، بينما تدهور العلاقات زادت من المخاوف والمشكلات بين الجارين. وعلى الرغم من خصوصية روابط التاريخ والدين والثقافة بين العراق وايران لمدة طويلة، إلا أن التطورات المعاصرة في العلاقات العراقية – الايرانية أتسمت على الأغلب بالفتور، وتمثل هذا الفتور في العلاقات بين الطرفين تراكمات السياسة الخارجية والداخلية لكلا البلدين منذ تأسيس دولة العراق الحديثة في العام 1923 ، مرورًا بحرب ضروس طاحن خاضها ايران مع العراق على مدى أكثر من ثمانية سنوات، في الثمانينيات من القرن المنصرم .

وكانت المياه من أبرز الملفات العالقة التي تستخدمها ايران كأداة للهيمنة على العراق ونخص بالذكر مشكلة ((شط العرب)) وخاصة في المراحل التي كانت مصالح البلدين متناقضة، بحيث برز دور هذا الملف في أتفاقية 1975 وكذلك أستمر اهمية هذا الملف المائي بعد حصول عدد من التحولات في ايران العام 1979 وما بعده وحصول التغيير الكبير في سياسة الحكومة الايرانية الاسلامية ، خاصة تجاه هذه الملفات العالقة بين البلدين واستطاعت إيران استغلال ظروف العراق بعد العام 2003 وكان لعنصر المياه الدورفي تعزيز مصالح ايران وسط منظومة الحكم في العراق التي إرتبطت بها بحيث وضعت إيران في موقع الآمر والناهي في العراق فما كان من أيران إلا أن تستغل هذه المكانة أوضاع العراق لتغيير الواقع التاريخي والجغرافي للمياه لصالحها بداءً من شط العرب وميناء الفاو الى قطع الانهار والوديان التي تدخل العراق من أراضيها. ويضاف إلى كل ذلك قيام إيران بالشروع في تنفيذ مشروع “”المياه الاستوائي”” الذي طرحته منذ العام 2006. اي بعد أحداث العام 2003 وهو من أهم تلك المشاريع التي تنفذ في محافظات إيران الغربية “كرمانشاه” و “ايلام ” وهو مشروع إنمائي متعدد الأهداف وينطوي على إقامة مجموعة سدود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وفتح أنفاق لتحويل المياه الى احواض مائية اخرى وفي محافظات أخرى ، ولإخراج إمكانات الري الواسعة على نهري الزاب الصغير ونهر سيروان من الخدمة، فأزمة محافظة ” ديالى” مثال حيُ على ذلك الى داخل حدودها السياسية بسبب سحب كميات كبيرة من مياه هذين النهرين وبالتالي فقد تأثرت الحصص المائية التي كانت تدخل الحدود العراقية بشكل كبير وملفت.

والاخطر من ذلك إقدام ايران على قطع نهر الكارون قبل هذه الفترة ليساعد على تمدد اللسان الملحي ودخول بعض الانواع المفترسة من الاسماك والكائنات البحرية الغريبة عن بيئة شط العرب والاهوار الى شط العرب والمساهمة في زيادة ملوحته وتلوثه جرّاء تحويل إيران لمياه البزل المالحة الى الاراضي العراقية. وتعارض بشدة اقامة مشروع “ناظم شط العرب” (جنوب البصرة، ما قبل مرفأ ابو فلوس) المصمم للحفاظ على مناسيب مياه عذبة مرتفعة في شط العرب لتقليل الملوحة، ومنع اللسان الملحي القادم من مياه الخليج من الصعود الى مناطق شمال البصرة. من خلال الضغط على القائمين على سدة الحكم في العراق بعد العام 2003 .


البعد السياسي والدبلوماسي مع ايران


تعود علاقات العراق مع ايران إلى بدايات القرن العشرين، أثناء فترة الانتداب البريطاني، واستمرت بعد مرحلة الاستقلال الوطني للعراق في النصف الثاني من القرن العشرين، لذلك أولت السياسة الخارجية العراقية الاهتمام الكبير بالانخراط في توطيد علاقات حسن الجوار مع كل من ايران وتركيا ، ولكن ما لبثت هذه العلاقات أن تتدهورت بسبب الاطماع التاريخية لهم في العراق ولم تنجح الدبلوماسية الوطنية والاقليمية والدولية في ايقاف هذه التدهور بل أسهمت دولاً كثيرة في تأجيج هذه النزاعات لتبدأ فصول احد اطول الحروب في المنطقة . وما وضعت الحرب اوزارها حتى كان الحصار الدولي والإحتلال الامريكي البغيض دور في أنهاء دور العراق الريادي في المنطقة ولكن بقيت مشكلة المياه أحد أبرز المحددات التي تواجه العلاقات العراقية الإيرانية، كونها تتعلق بتطبيق بنود إتفاقية 1975 وعن رفض أيران تزويد العراق بالاحتياجات الفعلية من مياه الانهار التي تدخل العراق من ايران، في الوقت الذي تؤكد ايران أنها بحاجة ماسة إلى مياه هذه الانهار، فيما كانت تعلن عن وجود ميا ه فائضة لديها، من مصادر أخرى، وتنوي تصديرها إلى دول الخليج مساهمة منها في إقامة علاقات تجارية وربط مصير هذه الدول بالمياه التي تمتلكها فكانت فكرة مشروع “”الإيمان “”” لتحويل المياه إلى سلعة اقتصادية مع دول الخليج، والكف عن النظر إليه على أنه حاجة اجتماعية أساسية تتولى الدول تأمين وصولها إلى المواطنين .

وبموجب هذه الملامح المتبعة من قبل إيران برزت تداعيات مهمة بشأن موقف ايران من الملف المائي المشترك منها ركزت السياسة الخارجية الايرانية على إظهار العداوة مع الغرب في العلن والانخراط في سياساته ومشاريعه منها المشاريع الضارة بالعراق سراً، دون النظر للروابط التاريخية والدينية المشتركة وحسن الجيرة والجوار بقيامهم بتنقيذ مشاريعهم الضارة بحقوق العراق المائية.بل استغلال ظروف العراق الحالية،وللتدخل في شؤونه الداخلية وابتزازه عن طريق تسليمها القرار السياسي في العراق حيث وفي ظل الاحتلال الامريكي للعراق فان ايران سعت للقيام بدور فاعل في المنطقة، حيث أن التفكك السياسي والعرقي العراقي، شجع ايران في المضي قدماً في قطع المياه عن العراق دون رادع ولمنع تشكيل عراق قوي لما له من تهديد مستقبلي لهم. وتناست ايران انها دولة جوارللعراق وهم في نفس البيئة الاقليمية وهذا الموقع يضم حدود برية ومائية بين الدولتين والتي شكلت أهمية كبيرة في تحسن أو تدهور العلاقات بين البلدين واستخدامها للمياه كورقة ضغط سياسي في تعاملها مع العراق،وبقيت العلاقات ولا تزال تجاذب وتنافر وفق الانتماء الإيديولوجي للطبقة الحاكمة في البلدين، ولكن المياه كانت ولا يزال تستخدم كأداة أساسية في التخطيط الإستراتيجي لاستغلالها لتحقيق مكاسب إقليمية على حساب حقوق العراق المائية.

ماذا تريد إيران من تطبيق هذه السياسة العامة والمائية تجاه العراق:


يتيح السياسة الحالية لايران إمكانية حبس كميات المياه خلف سدودها، ونقلها بعيداً عن أحواضها المائية وخلق الأزمات المائية في العراق والتي ستصل الى كوارث إنسانية لا تحمد عقباه إذا أصرت على الإستمرار في النهج المعادي للعراق؛ وهو عامل ضغط على العراق بقطع المياه كلياً ودون الجريان او التدفق البيئي الى العراق مما يؤدي لنقص المياه وتردي نوعيتها وما ينجم عن ذلك من نقص في مياه الشرب و للزراعة، وبالتالي نقص الإنتاج الزراعي والحيواني ومما يدفع بالعراق الى اللجوء إلى الأسواق الايرانية لاستيراد الغذاء، وهذا بحد ذاته من المؤثرات في الأمن الوطني للعراق كدولة ذات سيادة. وكذلك يترتب عن إنجاز بناء السدود الايرانية والمشاريع الإروائية المرتبطة بها على طول الحدود مع العراق ، خلق واقع زراعي جديد، وقيام مدن ومجمعات وسكانية مصحوبًا بنشاط بشري زراعي – صناعي مكثف على طول الحدود مع العراق ، ينذر بتغير ديموغرافي بمرور الزمن ما يثير ويعمق مشكلات أمنية على الحدود بين الدولتين.


ولما كانت تأثيرات مشاريع المياه الايرانية وكذلك التركية المقامة على نهري دجلة والفرات ورافدهما، على مجمل العلاقات العراقية معهم كونها تشغل حيزًا واسعًا من علاقات العراق الدولية ، الأمر الذي سيسهم في دفع هاتين الدولتين للسعي من أجل تحسين علاقاتهما مع العراق وتوقيع اتفاقيات اقتصادية تسهل عليهما عملية إنعاش اقتصاداتهم الهشة لذا فان هذه أحد من الوسائل الفعالة وورقة ضغط قوية بيد العراق لمعالجة أزماته المائية المتفاقمة بسبب تدني كمية ونوعية المياه الواردة عبر النهرين مع كل من تركيا وايران إلى مستويات مما يزيد من حالة التشابك في ملف الموارد المائية المشتركة، مع الملفات الامنية والاقتصادية الاخرى ، لأن النقص الشديد في كميات المياه الداخلة الى العراق وانعكاس ذلك سلبيًا على الزراعة والري والسقي، وزيادة مساحات التصحر والملوحة وانعدام الزراعة في مناطق كبيرة ما يجعل القطاع الزراعي يعاني من نقص كبير في الانتاج والاضطرار الى استيراد أكثر احتياجات العراق الزراعية من كلتا الدولتين على الاقل، ولاشك أن هذا الوضع لا يجب القبول به من قبل العراق، لما يمثله من مخاطر حقيقية على الواقع الزراعي والمعيشي في العراق. لا تفي بالحاجات الأساسية، الأمر الذي يمثل تهديدًا مباشراً للأمن الغذائي والاستقرار السياسي للعراق.

وفي المقابل على العراق ترشيد الاستهلاك المائي وحسن إدارة الموارد المائية المتاحة من خلال إقامة الحملات الإعلامية والتوعوية، ووضع الخطط والبرامج المستقبلية لاستخدام تقنيات متقدمة لتنمية الموارد المائية وتبني سياسة مائية مستقبلية من قبل العراق بالتنسيق مع المنظمات الدولية المختصة بشأن المياه من أجل الضغط على الجانب االايراني والتركي لحل القضايا المائية العالقة، بما يخدم الأمن الغذائي في العراق والعمل تفعيل القوانين الدولية والمنصات المائية العالمية من قبل المجتمع الدول ي وتنفيذها، وإبرام اتفاقيات دولية تضمن المحافظة على الحقوق المائية لكل الدول المشتركة في حوض النهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.