|
خيري العمري علم في نهضة العراق الحديث رحمه الله
عبد الجبار محمد جرجيس
في سنة 1978م أرسل لي المرحوم خيري محمد أمين العمري نبذة عن
سيرته الذاتية يوم ذاك كانت النية معقودة لإصدار سيرة الأعلام
المواصلة، والعمري هذا أحد أبناء الأسرة العمرية المعروفة بكونها
من العوائل الموصلية المهمة في التاريخ، وله صلة فهو خيري بن محمد
أمين العمري حيث كان والده من أعلام العراق ورمزاً من رموزه
العظام، وركنا من أركانه البارزين. ولد المرحوم خيري سنة 1927 في
بغداد وكما أسلفنا كان والده من المشهورين، فشب في كنفه وتربى في
عزه فرعاه وأنبته نباتاً حسناً، تعلم في صغره القراءة والكتابة،
ودخل المدارس وتخرج سنة 1950م من كلية الحقوق العراقية وحصل على
الشهادة الجامعية، في أول تخرجه تم تعيينه محققاً عدلياً في وزارة
العدل العراقية وتدرج في الوظائف المهمة حتى وصل سنة 1952م على
درجة نائب المدعي العام بعدها في سنة ثم مدوناً قانونياً 1964م ثم
أصبح حاكماً في سنة 1973م، منذ ذلك الحين ولع المرحوم العمري
بكتابة التاريخ ومجرياته والأمور التي سبقته فألف ما ألف وكتب ما
كتب، وقد عرف منذ البداية بحنكته ودرايته الثقافية ووضع الرؤية
عنده والتمحيص أولاً. في البداية وهو يرى حياة والده العسكرية
محترفاً للحياة فيها أثراً مهما في خلق روح التوصل للحقيقة عنده،
تعلم التاريخ ففهمه وأحب التوثيق فكان موثقاً وكان محبا للأدب
والشعر، قرأ الكثير من دواوين الشعر وكان متفوقاً على الآخرين. نشر
العديد من الكتب ووضع فيها آراءه وأفكاره نشر الكثير من المقالات
والبحوث في الجرائد العراقية وعلى سبيل المثال منها، الأخبار،
البلاد، والشعب، كان كثير التردد على المقاهي ومحلات الأدب والشعر
والتاريخ. له إلمام كاف في مجمل الأمور وهو الذي عاشها وكان يطلع
على مجرياتها، أحب التدوين التاريخي المبني على دراسته الحدث من
الواقع، لا مجرد سامع أو ناقل للحدث وكانت كتبه كبيرة تعتمد على
الحدس المرتبط بالثقافة القانونية التي يمتلكها ويحلل الواقع فيها.
عاش المرحوم خيري فترة من الزمن قلما تتيسر لغيره فهو عاصر الساسة
الكبار وتحدث مع صانعي التاريخ وحلل ووثق لهذا الحدث. يقول المرحوم
خيري في كتابه لي: عنيت بدراسة التاريخ للعراق الحديث، ونشرت
فصولاً متعددة وأبحاثاً مختلفة تعالج جوانب مهمة فيه، فقد نشرت
(تاريخ الأحزاب السياسية في العراق) في مقالات متسلسلة في جريدة
(الأخبار) في بغداد ونشرت (الصراع السياسي على العرش العراقي) في
مجلة دراسات عربية، ونشرت عن (كامل الجادرجي في الثلاثينات) ومنها
(ذكريات عن كامل الجادرجي) في مجلة الهلال المصرية سنة 1968م. هذا
الى جانب أبحاث أخرى تناولت سيرة عدد من المفكرين والساسة
العراقيين أمثال (فهمي المدرس) ونوري ثابت وإبراهيم صالح شكر،
وكلها في مجلة الأقلام. وله عدة مهارات فهو يعتبر من الصحافيين
المواكبين للأحداث ومجريات الأمور.
مؤلفاته: كما قلنا كتب خيري رحمه الله العديد من الكتب ومنها:
-1 شخصيات عراقية، سنة 1955 وتناول فيه سيرة أبرز أعلام العراق.
-2 حكايات سياسية في تاريخ العراق، تناول فيه دراسة أهم الأحداث
التي شغلت الرأي العام في العراق في تاريخه الحديث.
-3 الأحداث في التشريع الجنائي.
-4 تم تكليفه بكتابة سيرة الشهيد (محمد يونس السبعاوي) من قبل
وزارة الثقافة والفنون وقد طبع سنة 1978م في بغداد.
-5 ولديه كتاب باسم (الخلاف بين نوري السعيد والبلاط الملكي في
العراق) وهو يتضمن محاضرات ألقيت في جامعة البصرة، تناول دراسة
وجوه الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد منذ زمن الملك فيصل
الأول فغازي ثم عبد الإله، وقد قال سنة 1978 أن هذا الكتاب في
طريقه لنشر فلا أدري هل نشر أم لا. ضمن آرائه في كتابة التاريخ
ينتقد المرحوم خيري بعض من أرخ لسياسة العراق معتمدا على القوالب
الجاهزة والأحداث المكتوبة وهو لا يرى فيها شيئاً من البحث
والتاريخ فهي أقرب الى النشرات الموسمية أو المدونات الرسمية. لم
يكن يعتني بالشخصية وكتابة السير مثلما يكتبه الآخرين وهي سرد ما
سيخص الفرد من مواصفات بل اعتمد جانب الأسلوب الحقيقي وكشف الشخصية
المعنية وملابسات الأحداث. لقد عرف العمري مؤرخاً من الطراز
الوثائقي المتتبع لأحداث وسير الرجال من خلال التحليل وإعطاء الرأي
الصائب من خلال الأحداث الموثوقة فنحن إزاء رجل تاريخي موثق عرف
بمجاهل الأحداث فعرفها وكتب عن الأحداث وهي حية. هذا هو المؤرخ
الناجح، عرفه الباحثون من هذه الوجهة وكان غزيرا بالعطاء مكثر
بالآراء وهكذا نجد العمري من رواد الفكر العراقي الحديث.
وفاته: بعد هذا الفكر النير والعطاء الزاخر، تعب هذا الرجل في
أيامه الأخيرة فأصابه الوهن والتعب وتعطل الدماغ وأصابه الشلل في
الكلام، إضافة الى النطق الصحيح وفي سن 2003م رحل العمري الى بارئه
راضيا مرضيا وبقي العمري في ذاكرة العراقيين بعدما قدم لهم تاريخهم
وبعضا من رجالهم. رحم الله العمري.
الأديب علي الجميل في ذاكرة الثمانين
علي حامد الراوي
في الخامس والعشرين من حزيران الماضي احتفلت الصحافة الموصلية
بالذكرى الـ(123) لتأسيسها متذكرة تاريخها الحافل بالثبات على أسس
الصحافة الهادفة، وتقاليدها المتعارف عليها من يوم صدورها في (25
حزيران سنة 1885م) وحتى اليوم، وأثبتت أنها كانت ولا زالت أهلا
للتواصل مع قرائها مفتخرة بروادها الأوائل وأعمالهم الرصينة
المتصفة بالدقة وقول الحق والصدق عبر تاريخها المجيد، وعرفت ببعض
روّادها على صفحات الجرائد غير متناسية لمن سبقهم او لحق بهم، فممن
سبق في عالم الصحافة الموصلية الأديب والشاعر اللبيب المرحوم (علي
الجميل) (1890-1928م) فهو موصلي المولد والنشأة درس في مدارسها
الأهلية فقرأ كتاب الله واهتم بالعربية وتعلم الخط وقيل انه طفق
يكتب وهو ابن خمس سنين، وبعد تخرجه من الابتدائية التحق بالمدارس
العملية الدينية وصاحب أهل العلم واخذ عنهم فمن شيوخه الشيخ محمد
طاهر الفخري والقاضي الشيخ احمد الفخري والشيخ سليمان بن مراد
الجليلي والشيخ عثمان أفندي الديوه جي فتلقى عنهم علوم اللغة
والمنطق والأدب والشعر والبحث والمناظرة.
- اصدر جريدته (صدى الجمهور) سنة 1927م، وتوظف في دواوين الدولة،
فكان كاتبا للضبط في المحكمة الشرعية بالموصل سنة 1328 هجرية، ثم
تعين كاتبا في دائرة الأوقاف، ثم انتقل الى تحرير القسم العربي (من
جريدة الموصل الرسمية) واختارته غرفة التجارة رئيسا لكاتبها، وعلى
اثر الاحتلال الانكليزي للموصل عمل مع الساعين من أبنائها الى
تأسيس (النادي العلمي) وهو الجمعية الأدبية في مظهرها، ثم وكلت
إليه رئاسة تحرير (مجلة النادي) الذي صدر جزؤها الأول في (15 كانون
الثاني سنة 1919).
- كان علي وطنيا متحمسا وكان يكتب مقالاته في جريدة النجاح والتي
يصدرها المرحوم (خير الدين العمري) كما نشرت بعض آثاره العملية في
مجلة (لسان العرب) و(المنتدى الأدبي) وبقي مع الصحافة حتى أدركه
اجله المحتوم في حلب الشهباء عن (38) عاما أثناء إجراء عملية
جراحية له رحمه الله رحمة واسعة.
- ولعلي الجميل شعر جميل تلقى فنونه وتعلم بحوره على يد المرحوم
القاضي الشيخ احمد الفخري رحمه الله، فالمنشدون في الموصل لا زالوا
يتغنون بقصيدته المشهورة (هل أنت مثلي قد شجتك يد النوى) فيقرؤونها
بمقام (النوى احد فروع مقام النهاوند) والقصيدة من بحر الكامل احد
أبحر الشعر العربي الستة عشر. وقد نظمها في الاستانة يوم تلقى
برفيق دربه (مفتي الموصل المرحوم محمد حبيب العبيدي) الذي كان
يجمعهما نشاطهما القومي في الموصل وتطلعهما لقام دولة عربية في
العراق بدل الحكم العثماني، فيوم رآه أحب ان يذكره بالموصل وأهلها
وربوعها وهوائها وعذوبة مائها، فانشد قائلا:
|
هل أنت مثلي قد شجتك يد النوى |
ام سالمتك فقمت تلحق بالنوى |
|
إني ومن خلق النوى أبدا فلا |
قلبي لغير ودادكم يوما نوى |
|
يا أهل موصل ما قطعت مدامعي |
عنكم وما زال الهيام بنينوى |
وفي القصيدة من (البيان والبديع والمعاني) والحس الشعري ما يدهش
الألباب، وإذا ما سمعها الناس بصوت المرحوم السيد إسماعيل الموصلي
هاموا بلا ارتياب، وذلك ان للقصيدة والغناء الموصلي نكهة متميزة
مبنية على أصول سليمة لا يحسنها الا من تمرس بها وتلقاها عن
أربابها، وحبا وإعجابا بأصالة علي الجميل الشعرية نظمت هذه
القصيدة.
الأديب علي الجميل
في ذكراه الثمانين
|
آل الجميل تحية وسلام |
وجلاله لعميدكم ومقام |
|
ذاك الذي سرى القلوب بشعره |
بقصيدة صدحت بها الأنغام |
|
سحرت بمعناها النفوس فأشرقت |
ببديعها وبيانها الإفهام |
|
ذكر الأحبة فاستفاق فؤاده |
بعد الفراق، وهاجت الآلام |
|
مرت عليه بغربة أيامه |
في طولها، وكأنها الأعوام |
|
وترقرقت منه الدموع غزيرة |
لا الصبر يمنعها ولا الإحجام |
|
كابي فراس أيقظته حمامة |
فشكت، وشكوى العاشقين حرام |
|
ناحت وناح لحاله ولحالها |
كل له في مقلتيه كلام |
|
علم من الأعلام أنت (علينا) |
يا من بكت لفراقك الأيام |
|
فلانت حقا للصحافة مخلص |
ولانت حقا في العلوم أمام |
|
ولانت عف صادق في حبه |
لا الدهر أنصفكم ولا الأسقام |
|
ولقد تركت بموصل آمالكم |
فمضت بأنس ربيعها الأحلام |
|
فاضت بذي الشهباء روحك للعلا |
ولكل أمر مبدأ وختام |
|
فلكم بمكنون الفؤاد محبة |
ولكم بجنات الخلود سلام |
|