|
خلال زيارتي المتكررة إلى مكتبة ابن خلدون لاحظت إقبال طلبة الدراسات العليا على قسم الخزانات الشخصية للحصول على المراجع والمصادر التي تفيد في أعداد أبحاثهم وبعد استفساري من مسؤول المكتبة سعد ابلغني أن أكثر خزانة يزورها الطلبة للتزود بالمصادر والمراجع هي خزانة المرحومة ليلى ,فتذكرت الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة، أن رسول الله (ص) قال (أذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فقد أوقفت عائلة الدكتورة ليلى مكتبتها الشخصية على روحها وتركت كتبها العديدة علما ينتفع به كصدقة جارية وهذا المقال يوضح أن تلاميذها وزملاءها هم بمثابة الولد الصالح الذي يدعو لها .
وعلى الرغم من عدم معرفتي الشخصية لهذه ألسيدة ألا أني أعجبت بها وتركت في نفسي سؤالا دفعني إلى الاستفسار عنها والاستزادة من المعلومات عن هذه المرأة الفاضلة فحصلت على كتاب يتحدث عنها مما جاء فيه أنها من مواليد الموصل 1947م تزوجت قبل أنهائها الدراسة المتوسطة ثم عادت إلى مقاعد الدراسة فأكملت دراسة الإعدادية ثم قررت السفر إلى لبنان لدراسة القانون وحصلت على شهادة البكالوريوس من جامعة بيروت العربية سنة 1971م ولم تتوقف عن طلب العلم فحصلت على دبلوم في الدراسات العليا في الشريعة ودبلوم في الدراسات العليا بالقانون الخاص اللذان يعادلان الماجستير حصلت بعدها على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن أطروحتها التي كانت بعنوان (المقاصة وإحكامها في الشريعة والقانون) وبذلك كانت أول فتاة موصلية أكملت دراستها العليا في القانون في الخارج وبعد عودتها إلى العراق عينت في كلية الشريعة جامعة بغداد سنة 1978م وكانت أول امرأة تدّرس في هذه الكلية نقلت بعدها إلى كلية الإدارة والاقتصاد جامعة الموصل إضافة إلى أنها عملت كأستاذ زائر في جامعة الزرقاء الأهلية في الأردن ودرست في جامعة البحرين كلية الحقوق للفترة من 1\2\2001م لغاية 31\1\2004م. وهكذا قامت الدكتورة ليلى بخدمة مدينتها و طلبة العلم فيها تركت لنا العديد من المؤلفات القانونية التي بلغت ستة كتب إضافة إلى ثمانية وعشرين بحث منشور في المجلات العلمية المحكمة وأربعة بحوث غير منشورة وكانت بحوثها تعالج في معظمها مواضيع المقارنة بين الشريعة والقانون.
وشاركت في عشر ندوات علمية كما أشرفت على اثنتي عشر رسالة ماجستير وخمسة اطاريح للدكتوراه.سمعت من أكثر من شخص قابلته عن حبها لعمل الخير فكانت لها يد بيضاء في مساعدة المحتاجين وكان لديها مشروع لإنشاء دار للأيتام ومشغل خياطة للفتيات كما ساهمت في تأسيس جمعية الأسرة المسلمة واعدت النظام الداخلي لها وساهمت في التبرع لها والتخطيط لنشاطها استشهدت الفقيدة في 2\6\2004 فانتقلت من دار الفناء إلى دار البقاء فينطبق قول الشاعر أبو العتاهية: وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي.
ومن هذه المسيرة الرائعة نجد أن هذه المرأة مثال للمرأة المسلمة الموصلية الأصيلة التي خدمت دينها ومدينتها وطلبة العلم في كافة أرجاء الوطن العربي وهي ألنموذج الذي نتمناه للمرأة في عالمنا الإسلامي .
وقمت بزيارة كلية الحقوق والتقيت عميدها ومعاونيه وعدداً من أساتذتها وحصلت خلال لقائي بهم على شهادة هذه القامات الكبيرة بحق الفقيدة العزيزة وفيما يلي بعض هذه الشهادات التي حصلت عليها من زملاء الفقيدة إضافة إلى شهادة عميد كلية الحقوق وزملائها في جامعة البحرين التي وردت في كتاب رائدة الدراسات القانونية .
" حاضرة بيننا جسداً وروحا "
يقول الأستاذ الدكتور أكرم محمود حسين البدو عميد كلية الحقوق في جامعة الموصل بحقها (نهل من علمها ,وهي حاضرة بيننا جسدا وروحا ,ألاف من طلاب العلم فكانت خير منهل .ولازال علمها شلالا لا ينضب لأنها كانت وستظل موسوعة أكدت أن حمو رابي الذي خرج من هذه الأرض التي كانت مهدا لأول الحضارات ترك ميراثا ثقيلا لأمثالها من أصحاب العقول العلمية الرصينة والجادة التي ظلت ترفع رأس هذه الأرض في كل محفل علمي .
"صاحبة اليد البيضاء"
وتقول الأستاذة الدكتورة زينة غانم العبيدي معاون عميد كلية الحقوق بحق الأستاذة الدكتورة ليلى (..أستاذتنا وألام الفاضلة الدكتورة ليلى عبد الله الحاج سعيد ,كانت شمعة تتقد لتنير الطريق للسالكين وليس لها من مكافأة حقيقية سوى رضا الضمير فوضعت نفسها موضع الجسر لتمر عليها الأجيال الماضية نحو مستقبلها....فهي ارفع العالمين واجلهم وأحقهم بالتقدير والتبجيل....فهي صاحبة اليد البيضاء في أغناء المتعلمين وإنماء قدراتهم ...وهي شهيدة العلم في مدينة أم الربيعيين وواحدة من بطلات لا يحصيهن عد كلهن قد عاهدن الله والوطن على بذل حياتهن في سبيل العلم والمعرفة ...رحمها الله واسكنها فسيح جناته .
" لن ينساها طلبتها أبداً "
يقول الأستاذ الدكتور طلال عبد حسين البدراني(لم أكن أضنني سأكتب عن الدكتورة ليلى عبد الله سعيد في يوم من الأيام ,كانت ومازالت اكبر من كل ما يكتب عنها هي الأستاذة العالمة الإنسانة التي جمعت من العلم مبتغاه ومن الإنسانية صفوتها .كانت تربطني بالدكتورة ليلى علاقة المتعلم بالأستاذة والابن بأمه كانت أما للجميع وأستاذة بارعة ذات شخصية قوية مؤثرة مبدئية حد الصدام وجلدة إلى منتهى الصبر اختطفتها المنون على حين بغتة فذهل الجميع وبكت عليها الموصل وافتقدتها قاعات الدراسة ولن ينساها طلبتها أبدا).
"نحن ثمارها"
يقول الأستاذ الدكتور عمار سعدون حامد رئيس القسم الخاص في كلية الحقوق (عند السؤال عن د.ليلى عبد الله سعيد وعن دورها في فرع القانون الخاص ,فان القلم يخرس عن التسطير وتنفذ الكلمات والعبارات تحاشيا من التقصير ويسرح الفكر متأملا أقوالا, في المدني كانت علما رصين من منهل عظيم ,فهي البذرة التي أتت أكلها في مدينة الموصل الحدباء ونحن لسنا سوى ثمارها ,ويوم وفاتها سمعنا صوتا دوي ,هل يستطيع الثرى أن يضم الثريا بين جنباته؟فلم نجد من بعدها للمفردات روح تفيها حقها ,ألا أن الزمان انتهز الفرصة وقال بملء فمه ((لا)) وضج بذكرها كلما طرا على القانون طارئ).
" رائدة القانون المدني "
يقول الأستاذ الدكتور اجياد ثامر الدليمي ( عندما نتوقف عند عناوين كبيرة ؟,وشخصيات جليلة ,مثل الدكتورة ليلى عبد الله سعيد ,فقد تعجز لغة البيان وينضب مداد الأقلام ليحيط بما انطوت عليه شخصيتها من سجايا قل نظيرها ,فهي راعية العلم ورائدة القانون المدني وهي من تجد ضالتك عندها حيثما ادلهمت بك الخطوب, وهي صاحبة الموقف الشجاع لتدحض الباطل حيثما ذر قرنه ,وكم امتدت يدها خلسة إلى اليتامى والمعوزين , فلا تدري شمالها ما اتفقت يمينها .فطوبى لكي يا فقيدة الفكر القانوني , من راحلة عزيزة كريمة ,وطاءت قلوب أحبائك بغزير علمك وواسع فضلك حين عشتي بينهم أستاذة ومربية دمثة عطوفة وطوبى لعائلتك وسجاياها الحميدة , طوبى لك وأنت خالدة تعيشين بيننا بارثك الذي لا ينضب وطوبى لك وأنت قريرة العين عند باريك . فرحمة الله الواسعة تحف بك , كلما جلل أسمكي على لسان محبكي , والجنة مثواك بأمر رب العزة ).
" عنوان للمرأة المسلمة "
قال عنها الأستاذ محمد يوسف الزعبي عميد كلية الحقوق جامعة البحرين (كانت احد أعضاء هيئة التدريس فيها (كلية الحقوق جامعة البحرين ) في أوائل العقد الحالي ساهمت بالعديد من الدراسات والأبحاث كما أثرت المكتبة القانونية البحرينية والعربية بنتاجها العلمي ,فقد ألفت العديد من المؤلفات في القانون المدني وقانون الإثبات وقانون المرافعات البحريني وكانت المغفور لها بأذن الله في عملها الدءوب المخلص عنوان للمرأة المسلمة المثابرة الصادقة فهي الأم لطلبتها وهي الأخت لزملائها التدريسيين رجالا ونساء وكانت بحق مثلا يحتذى به على كافة الصعد العلمية والإنسانية والاجتماعية وغيرها .ولقد كان الاعتداء على حياتها حدثا مأساويا افجع طلبتها وزملائها نسأله تعالى أن يغفر لها ويسكنها فسيح جناته ).
" مثال للجد والعطاء والمثابرة "
قال بحقها زملاءها أعضاء الهيئة الإدارية لكلية الحقوق جامعة البحرين (تشرفن بالعمل مع الأستاذة الدكتورة ليلى عبد الله سعيد خلال فترة عملها في الكلية الحقوق بجامعة البحرين ,حيث كانت رحمها الله مثال الأم والأخت والصديقة وكانت مثالا لعضو هيئة التدريس في الجهد والعطاء والمثابرة في انجاز الواجبات الوظيفية والتدريسية والبحثية ).
في الختام أقول مما سمعته عنك بان زملائك وطلابك سوف يتذكرونك كصاحبة نظرية وتجربة علمية ودينية وشخصية قوية قالت كلمة الحق ... ستظل في قلوب محبيها وسيذكرها التاريخ بمواقفها أخلاقها مبادئها سيذكرها أهل الموصل ... رغم رحيلك تعيشين بيننا بمؤلفاتك و ثقافتك وتراثك العلمي...
واذكر القارئ الكريم بقول لبيد: وما المال والأهلون إلا وديعة ولا بد يوماً أن ترد الودائع.
الكاتب: و.أ.عراقيون_عمر القطان
|