( هفافة ) في زمن الخلافة !!!

 

نوزت شمدين

كنت أعلم أنني بداخل حلم، لذلك تركت القصة تمضي كما تشاء، فوجدتني أمشي في شوارع شيتاجونج جنوب شرق بنغلادش، وحيداً بلا رفقة، ولا عنوان أذهب اليه، أو خريطة تعلمني أين أقف بالضبط، ولأنني تعلمت وأنا صاح كيفية الخروج من ورطات مشابهة، لجأت الى أول حلاق صادفته في شارع روتني. أسترخيت في المقعد الجلدي، مستمتعاً بلسعة برودة مسندي المقعد الفولاذيين على جلد ذراعي. قال الحلاق بلغة انكليزية سليمة وهو يلفني بقماش أسود ان أسمه بيناو، وانه ورث الصنعة من جده زيوارنا. ثم قبل كفه الأيسر من الجهتين، ورفع رأسه نحو السقف قائلا ” ثانكس خوداه “.

أردت أن أسأله عن أشياء تدلني على سبب وجودي في شيتاجونج، ولكنه مثل جميع حلاقي كوكب الأرض، لا تعثر له على زر إطفاء يوقفه عن الحديث ورأسك بين يديه. سألني بسرعة وهو يبخ الماء على شعري، ” كيف تريده ” قلت له بهدوء السياح ” نورمال”، وكان هذا أخر شيء نطقت به في دكانه طوال أربعين دقيقة كاملة.

خيل إلي وأنا أتطلع الى وجهه البهاراتي في المرآة، انه في العشرينات من العمر، لكنه عندما عاد ليتحدث بتلك النبرة الغليظة التي تشبه صوت محرك جرار عنتر الزراعي، خمنت عمره بأربعين سنة. قال بان شيتاجونج وكما حدث لها مرات عدة خلال قرون مضى، اجتاحها وباء الطاعون في التاسع من حزيران المنصرم، فهرب نصف السكان تقريبا، وسقط الالاف ضحايا له، في حين ان العاصمة داكا لم ترسل حتى مضمداً واحداً لمعالجة سكانها، أو اغاثة النازحين. شعرت بسخونة في رقبتي، وانزلقت قطرتا عرق من جبيني. أنتبه بيناو الى أنني ارتجف خوفاً، فربت على كتفي بالمشط. وقال وهو ينظر إلي في المرآة ” لا تقلق طاعوننا يقتلنا فقط، وهو لا يصيب الغرباء”.

طقطق بالمقص ناتفاً الشعر فوق أذني اليمنى، وذكر بأن رئيس البلدية جميل الشيتاجونجي، تأثر كثيراً بالموقف المخزي لأعضاء المجلس المحلي،عندما اختفوا تماماً مع الساعات الاولى لوصول الطاعون، ووجد أن الأهالي لن يقبلوا بحكومة محلية عاجزة مثل هذه بعد رحيل الطاعون، وعودتهم الى مدينتهم، فقرر الدعوة الى انتخابات مبكرة.

قرب وجهه من رأسي وسألني ” هل تعرف ماذا كان ردة فعل البعض منهم “، فرفعت له حاجبي في المرآة، في أشارة الى انني لا اعرف، فعاد ليقول ” طالبوه بالاستقالة لأنهم مرتاحون في مناصبهم ولا يريدون خسارة رواتبهم “.

ابتسمت لتوارد المجالس الذي يحدث، وتذكرت مجلس محافظة نينوى أيام الخلافة. تجاوب بيناو بحماسة مع ابتسامتي، وراح يحدثني عن مصدر تلك المطالبة وهي عضو في المجلس، قال أسمها مرتين لكنني لم استطع فك شفرته لتعقيدات الحروف فيه. أشار الى أنها أصلاً ليست من أهالي شيتاجونج، وإنما من الجنوب. لمحته في المرآة يقف خلفي مباشرة ويهز رأسه أسفاً : ” قبل وصول الطاعون كانت مسؤولة عن لجنة السياحة والآثار في المجلس المحلي، مهمتها الوحيدة كانت الدوران في المطاعم والفنادق، والذهاب في ايفادات الى الهند ومانيمار “، فضحكت أنا من فوري، عند سماعي كلمة مانيمار، لأنني تذكرت أعضاء مجلس محافظة نينوى وهم يتسابقون في التقاط الصور مع مراد علمدار في اسطنبول، وكان هذا في زمان ما قبل الخلافة. أستمر بيناو يتحدث عنها ” هي تنتمي الى تجمع سياسي يقوده نصاب كبير من الشمال، خدع المئات واوهمهم بانه سيبني لهم مجمعات سكنية، لم يرتفع شبر منها عن الارض، على الرغم من انه أخذ منهم أموالا كثيرة”.

قص بالموس ربع شعر زلفي الأيسر، سألني بعد تفكير للحظات” هي جابت به قبل الطاعون أرجاء شيتاجونج وهو يوزع الوعود بمشاريع كبيرة، الا تعد شريكة له ألان بعد ان اتضح انه نصاب ومحتال “. فتحت عيني على وسعهما وأنا انظر إليه في المرآة. لم ينتظر أجابتي، أشار الى بالمقص” هل تعرف ماذا كانت تشتغل قبل ان تصبح عضو في مجلس شيتاجونج المحلي” فهززت رأسي نافياً، فقال ” Hair removers “. عصرت ذهني لمعرفة المعنى بالانكليزية، لكنني لم افلح، فقرص بسبابته وإبهامه خده وحاجبيه، لكنني لم استوعب ما كان يريد، أمسك ملقطاً رماديا بطول أصبع ونتف به شعرةً من شاربه، وانتظر ما سأقول، لكنني بقيت صامتا. فسحب من درج قريب خيطاً ابيض اللون، أمسك بيديه طرفيه، ووضع نصفه في فمه ثم راح يباعد يديه ويقربهما، فقلت على الفور وبصوت عال ” حفافة “، فضرب هو رجليه بالأرض على طريقة مهاجمي كرة القدم وقال فرحاً ” yes هفافة “.

خرجت من عند الحلاق وأنا لا اعرف لم دخلت إليه أو ماذا كنت سأسأله، سرت في شوارع شيتاجونج، أتأمل خراب معالمها، والشرود والحزن الذي في وجوه أهلها الباقين، وقبل ان أصحو من حلمي، لمحت طفلين يلعبان بجوار شتلة صفصاف. جدتي كانت تقول بان الأطفال في الأحلام أمل سيتحقق، والأشجار بناء سيشيد، فعلمت وانا استفيق، بأن المدينة ستتخلص من الطاعون قريباً، والراحلون سيعودون لبنائها، كما فعل أباءهم في أزمنة الطاعون القديمة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.