العراق بين تحرير نصف الموصل وصراع حيتان الفساد مصطفى العبيدي

 

جاء إعلان القوات العراقية، عن نجاحها في تحقيق انجاز عسكري ومعنوي كبير عبر تحرير الجانب الأيسر من الموصل من يد تنظيم «الدولة» ليعزز معنويات القوات المسلحة والشعب العراقي الذي يسعى للخلاص من ظاهرة التنظيم وكل الآثار السلبية التي تركتها على الوضع العراقي من دمار واسع وقتل الآلاف وتشريد الملايين وخسائر لا يمكن حصرها حاليا.

كما بدأت القوات العراقية، استعداداتها لمعركة تحرير الجانب الأيمن من الموصل، آخر معاقل التنظيم الكبيرة في العراق، حيث هيأت الجسور المتحركة لعبور نهر دجلة وبدأت عمليات قصف جوي وبري مركز على مواقع التنظيم في الجانب الأيمن، بالتزامن مع محاولات إعادة الحياة والخدمات إلى الجانب الأيسر المحرر والبدء بإعادة سكانه النازحين إليه، رغم استمرار قصف التنظيم للمنطقة.

ومع اعلان موعد الانتخابات المقبلة في هذا العام، بدأ صراع شرس بين القوى السياسية في سباق مبكر للتحرك وترتيب أوضاعها وتحالفاتها. ويبدو واضحا ان كتلة القانون بقيادة زعيم حزب الدعوة نوري المالكي، عازمة على خوض غمار الانتخابات باشعال العديد من الحروب مع القوى الأخرى، أبرزها الصراع مع التيار الصدري على كسب الشارع الشيعي. وقد عمد أعضاء كتلة المالكي في مجلس محافظة بغداد إلى استجواب وإقالة محافظ بغداد علي التميمي من التيار الصدري بعد عقد صفقة بين كتلة القانون الشيعية واتحاد القوى السني لاقصاء المحافظ، مقابل السكوت عن استجواب وزير التربية المحسوب على اتحاد القوى في البرلمان على قضايا فساد وتقصير.

كما شنت كتلة القانون هجوما على الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني عبر توجيه الاتهامات بالاستئثار بالسلطة والنفط في الإقليم، حيث رد حزب البارزاني باتهامات مماثلة لنوري المالكي، كما اتهمه بدعم حزب العمال التركي للبقاء في سنجار.

 

لعبة استجوابات الوزراء

 

كتلة المالكي من جانبها تحاول اظهار ضعف حكومة حيدر العبادي عبر خلق الكثير من المشاكل لها مثل إعادة لعبة استجوابات الوزراء في البرلمان والتهديد باقالتهم وشمول العبادي نفسه بالاستجواب، ويروجون لفكرة ان «المالكي هو أقوى شخصية سياسية حاليا، وانه قادر على حل مشاكل العراق» حسب ادعائهم، في محاولة للتغطية على صورة راسخة في أذهان العراقيين ومرجعية النجف، عن فشله وتحميله مسؤولية تدهور أوضاع العراق خلال ثماني سنوات عجاف تولى فيها رئاسة الحكومة.

ووجه السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، رسالة تحذير إلى الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب من مغبة تنفيذ وعوده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وأكد الصدر، إن «نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو إعلان للحرب على الإسلام، وبصورة أكثر من ذي قبل»، داعيا إلى «تشكيل فرقة خاصة لتحرير القدس في حال تنفيذ القرار».

وطالب الصدر الجامعة العربية «إما أن تستقيل أو تحل نفسها أو أن تقف وقفة جادة لمنع ذلك التحدي الصارخ»، داعيا إلى «إغلاق السفارة الأمريكية في العراق فورا»، إذا لم تتراجع واشنطن عن مساعيها.

ويعبر موقف الصدر، الذي قاتل اتباعه القوات الأمريكية في العراق، عن عامل توتر جديد يضاف إلى المشهد العراقي، خاصة مع توقع ان تعلن فصائل شيعية أخرى موقفا مشابها تجاه المصالح الأمريكية، لتحقيق أغراض مختلفة، ربما الكثير منها لا علاقة له بالقضية الفلسطينية.

وفي مؤشر ذي دلالة خطيرة عن الأوضاع في العراق، كشف القاضي المعروف منير حداد، هذا الاسبوع، عن حجم الفساد ونفوذ حيتان الفساد والجريمة في العراق ووصولها إلى القدرة على توجيه الأمور في البلاد وفق مصالحها، وخاصة ما يتعلق بالقضاء الذي يتعرض إلى ضغوط هائلة من الكتل السياسية الكبيرة لاجباره على اتخاذ قرارات تخدمها. وذكر القاضي احدى أبرز حالات خضوع القضاء لضغوط السياسيين عندما قررت المحكمة الاتحادية اعتبار التحالف الوطني الشيعي هو الكتلة الأكبر التي تشكل الحكومة بدل كتلة اياد علاوي الذي حقق فوزا بمقاعد أكثر في الانتخابات السابقة، وأعطى القاضي بذلك صورة عن حقيقة هيمنة مافيات وحيتان الفساد والقوى السياسية على السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وتسخيرها لخدمة مصالحها الخاصة، مؤكدا الحاجة إلى «حاكم دكتاتوري عادل» في العراق يستطيع تطبيق القانون وإدارة البلاد بالقوة، وبغير ذلك فلا أمل في اصلاح الأوضاع».

 

المزيد من الخلافات

 

وفي كردستان شمال العراق، أقرت حكومة الإقليم قرارا أثار المزيد من الخلافات بين الأحزاب الكردية، عبر تحديد موعد اجراء انتخابات البرلمان ورئاسة الإقليم في نهاية العام الحالي. ففي حين أكدت أحزاب عديدة عدم تنسيق الحكومة معها حول موعد الانتخابات، شككت أحزاب أخرى في امكانية عقد انتخابات في الاقليم هذا العام، بسبب استمرار الأزمة السياسية بين الأحزاب الكردية الكبيرة والأزمة المالية، اضافة إلى الوضع الأمني في الحرب ضد تنظيم «الدولة» والعلاقات بين الاقليم وبغداد.

كما اصبحت عقدة وجود حزب العمال التركي في بعض مناطق الاقليم مثل سنجار وقنديل، ورقة مساومة سياسية بين القوى المحلية والاقليمية، فمن جهة تطالب حكومة اربيل والولايات المتحدة وتركيا برحيل حزب العمال عن سنجار، بينما تتعامل الحكومة العراقية وبعض الأحزاب والقوى السياسية بضبابية مع تواجده، وسط تسريبات بوجود تنسيق ودعم غير مباشر للحزب المذكور مع بعض الأطراف الحكومية مثل الحشد الشعبي الذي اقتربت فصائله من تلعفر وسنجار، حيث عمد الحزب المذكور إلى الاعلان عن تشكيل فصيل مسلح جديد ملحق به في سنجار هذه الأيام، اضافة إلى مؤشرات التنسيق والتعامل الواضح بين أاحزاب السليمانية (الاتحاد الوطني والتغيير) مع فصائل الحزب.

ويبدو واضحا ان المشهد العراقي، مقبل على مزيد من التوتر في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» ومع اقتراب الانتخابات المقبلة التي تراهن عليها القوى السياسية بقوة للحفاظ على مصالحها، دون ان يعني ذلك للعراقيين سوى استمرار أجواء الأزمات في الواقع المأساوي بعيدا عن سراب الاصلاحات.

متابعة عراقيون

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.