إقليم كردستان في مواجهة مع بغداد وطهران… والآتي أعظم  كامران قره داغي

 

الأسبوع الماضي هددت إيران إقليم كردستان بعواقب لوجود قنصليات أجنبية في عاصمة الإقليم أربيل، لأن «غالبيتها تعمل في مجال الاستخبارات» وفقاً لإيران. التهديد صدر على لسان محمد حسين رجبي قائد الحرس الثوري في محافظة سنة (سنندج) الكردية. طبعاً، هو يستثني قنصلية بلاده الغارقة فعلاً في النشاط الاستخباراتي في الإقليم. رجبي اعتبر أن «وجود أكثر من ثلاثين قنصلية وممثلية أجنبية في إربيل أمر غير طبيعي»، وخص بالذكر السعودية التي «تحاول من خلال قنصليتها في إقليم كردستان خلق المشكلات في إيران»، مشيراً إلى أنه «يجب إغلاقها، باعتبار أن شعب كردستان ليس بحاجة إليها».

 

ليست هي المرة الأولى التي تهدد فيها إيران إقليم كردستان. قبل ذلك بفترة انطلق مسؤول أعلى من رجبي في الحرس الثوري، هو نائب قائده العام حسين سلامي، في تهديد أخطر ملوحاً باستهداف أي نقطة ترى طهران أنها تشكل مصدر خطر على نظامها، في اشارة الى وجود مقرات للحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني المعارض في مناطق حدودية متاخمة.

 

ما يزعج طهران كثيراً أن قيادات الإقليم، أو قيادات نافذة وفاعلة فيه، تتحرك في اتجاهات معاكسة للتحركات الإيرانية وخططها الرامية الى توسيع نفوذها وسيطرتها على كل العراق، بما فيه إقليم كردستان، مما يُعصى عليها تحقيقه.

 

الحكم في بغداد تهيمن عليه قوى متحالفة مع إيران على أساس مصالح أمنية وسياسية واجتماعية ومذهبية متطابقة في ركائزها الرئيسية. وهذا يتجاوز الأحوال في البلدين الى رؤية مشتركة على صعيد المنطقة التي لم يعد الصراع السني– الشيعي فيها، على صعيد دولها وشعوبها، موضع جدل. بعبارة صريحة، إقليم كردستان الرافض للخضوع لإرادة بغداد وطهران يشهد اصطفافاً يزداد عدوانية يضم القوى الشيعية كافة مدعومة من إيران.

 

ما سلف لا يغير من واقعه الصراع بين القوى الشيعية، وهو صراع يقتصر على مراكز النفوذ والسلطة فيما تتقاسم المرجعية الدينية والجمهورية الاسلامية دور الرقيب وصمام الأمان ضماناً لاستمرار الوضع الراهن وترسيخه، مع مراعاة مصالح قوى سنية ضعيفة عبر اشراكها في منافع السلطة من دون أن يكون لها دور الشريك المتساوي في ادارتها. في غضون ذلك تتعزز الهيمنة الكاملة للقوى الشيعية وهي تنتصر ضد الاسلام السني المتطرف الممثل في تنظيم «داعش» الذي تبدو هزيمته في الموصل قاب قوسين أو أدنى.

 

في ظل هذا الواقع يُتوقع حدوث تغييرات على صعيد الحكم في بغداد لمصلحة قوى شيعية أكثر انسجاماً مع إيران وتشدداً تجاه الكرد.

 

في الكواليس ثمة تحركات لتشكيل تحالفات جديدة استعداداً لمرحلة ما بعد «داعش». فمن تداعيات الحرب على التنظيم الارهابي بروز قوة الحشد الشعبي الذي يلعب دوراً كبيراً في هذه الحرب، وقد أصبح وفقاً للقانون رديفاً للقوات المسلحة النظامية. الحشد يتزعمه قائده العام هادي العامري الذي تدرب وقاتل في صفوف الحرس الثوري الإيراني ضد النظام البعثي السابق وتصادق مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

 

في المقابل، ترتبط النجاحات في تحرير الأراضي، خصوصاً في عمليات الموصل الجارية، باسم رئيس الوزراء حيدر العبادي بصفته القائد العام للقوات المسلحة النظامية الذي ردّ الاعتبار للجيش بعدما تعرض لهزيمة مزرية تحت قيادة سلفه نوري المالكي. كلاهما، العامري والعبادي، يتحركان نحو تشكيل تحالفات تستقطب اطرافاً سنية في مقابل بعض المنافع، تعزيزاً لفرصهما في التنافس على رئاسة الوزراء. ولس مستبعداً أن يسفر السباق بينهما عن فوز العامري مدعوماً بقوة من إيران، ليجمع بين يديه الجيش والحشد معاً.

 

هذا السيناريو المحتمل سيضع الكرد في مواجهة صعبة مع بغداد، خصــوصاً انهم يــكادون يجـــمعون على أن الحشد الشعبي صار يـــعادي صــراحة إقليمـــهم وطموحاتهم، علماً أن العامري يتزعم تنظيمه السياسي (منظمة بدر) بينما العبادي قيادي في حزب الدعوة الذي ما زالت زعامته في يد رجله القوي المالكي.

 

يزيد الطين بلة أن قوى نافذة في إيران ما زالت تؤمن بإيديولوجيا تصدير الثورة الاسلامية والهيمنة على ما وصفه الملك الاردني بـ «الهلال الشيعي»، في إطار الصراع المذهبي في العراق وسورية واليمن، الذي انجرت اليه جماعات دينية – سياسية بعضها تنظيمات مسلحة مدعومة من إيران وتركيا ودول خليجية، الى جانب تنظيمات ارهابية مارقة من نوع «القاعدة» و «داعش».

 

على الصعيد العراقي – السوري تسعى إيران وهي الداعم الرئيس لنظام بشار الأسد، الى شق ممر بري عبر العراق الى سورية وصولاً منها الى الحدود مع اسرائيل، وهو أحد أهداف الجمهورية الاسلامية وفقاً لايديولوجية تصدير الثورة التي وضعها مؤسسها الراحل والتي تأُسس فيلق القدس لتحقيقه.

 

الحرب على «داعــش» في العراق ودور فيلق القدس فيــه يوفران لإيران فرصة شـق هذا الممر البري عبر سيطرة الحشد الشعبي والقوات العراقية على تلعفر وسنجار وصولاً الى الحدود السورية. جبل سنجار له اغراء خاص لإيران، فارتفاعه سمح وقتها لنظام صدام بأن يستخدمه قاعدةً لنصب ما عرف وقتذاك بالمدفع العملاق، وهو مشروع لم ينجح، وكذلك لإطلاق الصواريخ التي قيل انها كانت مصدر صواريخ «سكود» التي اطلقها صدام على اسرائيل. عموماً يتخوف الإقليم من أن تعمل إيران على السيطرة على سنجار متعاونة، اضافة الى القوات العراقية، مع قوى كردية، خصوصاً سورية وتركية، الأمر الذي يفسر إصرار هذه القيادة على أن يغادر مقاتلو حزب العمال الكردستاني هذه المنطقة الحساسة.

 

هنا تدخل على الخط تركيا التي سبقت إيران بإرسال قواتها الى بعشيقة القريبة من الموصل في مسعى الى إحباط المخطط الإيراني ومواجهة مقاتلي العمال الكردستاني. ويُذكر في هذا الصدد ان القوات التركية لم تدخل الى بعشيقة بدعوة من قيادة الإقليم، لكن الأرجح ان هذه القيادة لم تتضايق من الخطوة التركية.

 

قصارى الكلام، وفي ظل ما سلف، أن مشكلات الإقليم الراهنة مع بغداد تبدو قابلة للاحتواء فيما الحرب مستمرة على «داعش». لكن الآتي أعظم وأخطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *