محمد صالح البدراني يكتب|جدلية الحداثة


عراقيون | مقالات رأي

لم تأت الحداثة كقطعة منعزلة أو أحياء للثقافة اليونانية كما يزعم، بيد أنها واقعا حداثات، سواء في التسلسل التاريخي أو التعدد في التطبيقات واقعيا، متأثرة بطبيعة البيئة التي هي فيها كأي مخرج مدني وهي ليست إلا تراكم للجهد البشري وان صنِّف إلى حالات متعددة، فالحداثة في أمريكا ليست الحداثة في فرنسا وفرنسا غيرها في إنكلترا، وهذه متغايرة مع من دخل في نظامها مثل الصين ودول الشرق الأخرى المشاركة في تطوير المدنية.

الحداثة هي انقلاب مدني مجتمعي قيمي سلوكي ولكن ليس بتعريف واحد، فالقيم في الحداثة التي أتت مع الرسول ص هي قيم أخلاقية نابعة من فكر له نظرة عن الكون والإنسان والحياة، وتفاعلت عالميا لقرون عدة، وابتكرت وأنتجت نظاما حدث الرؤى وطرح أسئلة وإجاب عن أسئلة، وكان مرتكزا على الربوبية والألوهية لله وان اصل العمل هو ما ينفع الناس والحقوق لا تؤخذ بالغلبة وإنما تعطى الحقوق عدلا لأضعف الناس واقل فئة في المجتمع مع القوي ومع الأكثرية؛ لكن الحداثة في عصرنا الحالي هي ليست أخلاقية ولأنها لا تنطلق من فكر عميق وتعتمد التدين كحالة غريزية معتبرة وربما تتعالى وتنخفض وربما تعالج منظور الدين كي لا يعترض طريق النفعية لان اليهودية هي شريعة دين لا تصلح للتطور والعصرنة، والمسيحية دين كما يصفه المسيحيون دين بلا شريعة، فيكون الأمر حسب من يتولى صناعة القرار، لكن سلوكيتها منطلقة من النفعية وتحويل الاله الواحد إلى الدولة لهذا استغرقت في فوضى الاستبداد تحت أي مسمى، وتراجعت الأخلاق وفق التدهور القيمي الطبيعي نتيجة بعده عن ربط السلوك بالله وباليوم الآخر، أو ما يسميه المسيحيون بيوم الدينونة، فكانت تبعية عكسية انتقلت من قوة ومحاكم التفتيش إلى التعايش وقوانين تستحدثها الحداثة وقبول أخلاقيات منافية للقيم التي تؤمن بها وهذا ليس تعميما وإنما هو غالبا ما يحدث كوضع المثلية مثلا وهو احد الإفرازات المرضية للحداثة وعجزها عن إدارة مجتمع سليم كآدمية، حيث انتقلت بقانون العقوبات من الرفض الحاد بعقوبات كالإعدام والحرق إلى أن من يعارضها الآن يصبح متعدي على حقوق الإنسان وفي نفس الدول التي كانت تحكم بذاك وهذا وحدث هذا الانتقال ربما خلال قرن من الزمان.

اللامعقول في الطرح الغربي
يرتكز الطرح الغربي كما نوهت إلى انقطاع الحداثة وكأنه زرع بلا بذور ولا سابق له، وان إلغاء القيم وتاليه الدولة هو البديل لإحداث تقدم ورفاهية لم تتحقق بوصفها فعلا واغلب ما يحصل هو الاستيلاء على ثروات الأخرين وعدمية في العداء المستتر أظهرتها حرب القرم الأخيرة، ورؤية أن الحق ما يفعل بما لا يحق للآخرين تكراره وهذا التخلف في العقلية والنفسية يوضح اذا ما استقرئ كمواصفات الشخصية غير المستقرة، فالحداثة والمعروضة وكأنها إنتاج غربي بحت هي حالة مدنية عبر التاريخ وان عالميتها التي لم تنجح نجح بها الإسلام دون إخضاع للبسطاء وإنما بإزالة جلاوزة الظلم والاستعباد لتترك للناس خياراتها، وهذا ما اعتمد تشويهه بل درس لأبناء المسلمين بطريق مشوهه إثارة غريزة السيادة والتملك فكان الفساد مرافقا حتميا للحركات الإسلامية عند توليها السلطة أو العجز عن إدارة الدولة وفرض أمور تخرجهم عن اصل من أصول القيادة والسيطرة في الإسلام للحاكم (ما أنت عليهم بوكيل) فلا إجبار ولا إخضاع ولا احتقار للآدمية فالإنسان كريم مهما اعتقد حتى لو كان ملحدا، علي واجب أن يكون حرا في قراره ولله الحكم في أمره ما لم يشع فاحشة أو يروج لخداع ناس لم تكتمل أهليتها وعلمها.

نوع من القوننة في حداثة مطلوبة في الفكر الإسلامي لكيلا يكون هنالك ازدواج أو ضعف في الشخصية بتشتت العقلية وتدهور النفسية بالعجز والكراهية وهذا حتما يحصل عندما يكلف الإنسان نفسه بما لم يكلف به، هذه الأمور واضحة حتى في النص، لا إشاعة للفساد ممن فسد، فان لم يؤثر بسلبية على بيئته فهو حر بأمره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.