شوان زنكنة يكتب | الردّ على فتوى المجمع الفقهي العراقي بشأن قروض مبادرة البنك المركزي العراقي
عراقيون | مقالات رأي

أصدر المجمع الفقهي العراقي الفتوى المرقمة 129 والمؤرخة في 18/5/2022، بشأن قروض مبادرة البنك المركزي العراقي، والتي أجاز فيها هذه القروض لتملك وحدات سكنية، بعد تكييفه الشرعي للمسألة وسوقه للأدلة.. ولوجود إشكالات في أصل التكييف والتصور الشرعي للمسألة، وملابسات الأدلة المساقة بهذا الشأن، وبغض النظر عن نتيجة الفتوى، فإنه يلزم شرعًا الإشارة إلى تلك الإشكالات والملابسات في الفتوى، عسى أن يعيد مشايخنا الأفاضل في المجمع الفقهي النظر في المسألة، بعد السعي للاستزادة من المعلومات الاقتصادية والمصرفية من المختصين، وتكوين تكييف شرعي مناسب لها.

ونلخص ردّنا على هذا التكييف الشرعي واستدلالاته كالآتي:
1- البنك المركزي العراقي، ومن خلال سياساته النقدية التوسعية، بدأ باستخدام أداة الإقراض منذ حوالي سنتين، بغية تنشيط الاقتصاد، فخصّص من احتياطاته المركزية مبالغ كبيرة لتمويل المشاريع الاستثمارية، والاستهلاكية، ومشاريع الإسكان، وعزّز رصيد المصارف والمؤسسات المالية، كلٌّ حسب اختصاصه، ومنها المصرف العقاري وصندوق الإسكان المختصان بالإقراض العقاري، ذلك، لأن إقراض المواطنين هو من مهمة هذه المؤسسات، وليس من مهمة البنك المركزي، وأن هذه المؤسسات تؤدي وظائفها المالية في الإقراض كمؤسسات مستقلة عن البنك المركزي، وإن كانت تعمل تحت سلطته، وبالتالي فهي تؤدّي وظيفتها عن نفسها ولا تؤدّيها نيابة عن البنك المركزي العراقي.

وعليه.. فإن تكييفَ وضع المصرف العقاري وصندوق الإسكان على أنهما يقرضان المواطنين وكالةً عن البنك المركزي، تكييفٌ ليس في محلّهِ، ويَنمُّ عن عدم معرفةٍ بالقوانين المُنشِأَةِ لهذه المؤسسات ووظائفها ومبررات وجودها، وحدود تعاملاتها فيما بينها من جهة، وبينها وبين المواطنين من جهة أخرى.

ولو سلّمنا جدلًا أن المصرف العقاري وصندوق الإسكان يعملان نيابةً عن البنك المركزي، فيجب القبول في نفس الوقت، ومن نفس زاوية التكييف، بأن مصرف الرافدين ومصرف الرشيد وكيلان عن البنك المركزي في القروض الاستهلاكية للموظفين والمتقاعدين، وكذلك القروض الاستثمارية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي تأخذ معاملاتهما حكم معاملات المصرف العقاري وصندوق الإسكان، ولو من زاوية هذا التكييف فقط.

وأيًّا كان تكييف وضع المصرف العقاري وصندوق الإسكان، وطبيعة علاقتهما بالبنك المركزي، فإن عقد الإقراض مبرم بين المواطنين وهاتين المؤسستين، ويستمد حكمه، شرعا واقتصادا، من طبيعة العلاقة بينهما، وفق الشروط التي وضعاها والتزما بها، بغض النظر عن طبيعة علاقة المؤسستين بالبنك المركزي، إذ لا تأثير البتة لهذه العلاقة بعقود الإقراض المبرمة بين المواطنين وهاتين المؤسستين. (يُنظَر: موقع البنك المركزي العراقي/مبادرة القروض)
2- ورد في الفتوى ما يلي: “يأخذ البنك المركزي العراقي عمولة إدارية من قرض المصرف العراقي 1%، ومن قرض صندوق الإسكان 2%، وتوصلت دراسة لبعض الخبراء في التعاملات المصرفية، إن هذه النسبة تمثل أقل من المصروفات الإدارية للبنك”.
يبدو أن الذين وصفهم المجمع الفقهي بالخبراء قد تَوهّموا وأوهَموا المجمعَ الفقهي بما هو ليس بحقيقة ولا واقع، وللأسباب التالية:
أ- لا يقوم البنك المركزي في عمليات الإقراض هذه إلا بتحويل المبلغ المخصّص للإقراض إلى المصرف العقاري وصندوق الإسكان، وهذا التحويل لا يكلف البنك المركزي أية مصاريف إدارية، وبالتالي، فادعاء استقطاعه نسب محددة (تُقَدَّرُ بمليارات الدنانير) على أنها مصاريف إدارية، توصيف وتكييف لا يمت للحقيقة والواقع بصلة.
ب- يحق لوزارة المالية، والبنك المركزي، ضمن السياسة الاقتصادية للحكومة، استقطاع أية مبالغ ترغب فيها من القروض المقدَّمة للمواطنين من خلال البنوك والمصارف والمؤسسات المالية العراقية، كضرائب ورسوم، سواءً على شكل مبالغ مقطوعة أو نسب مئوية، بالتالي، فأية مبالغ مستقطَعة من قروض الإسكان، إنما هي ضرائب ورسوم، وليست مصاريف إدارية، كما ورد في متن الفتوى، وتُقَيَّدُ هذه المبالغ كموارد في الموازنة العامة.
3- ورد في الفتوى ما يلي: “في حين حدّدت عمولة المصرف العقاري بنسبة 4%، وصندوق الإسكان بنسبة 2%، وتكييفهما أنهما وكيلان عن البنك المركزي في توزيع المبادرة على من يرغب الاستفادة منها، فتكون هذه النسبة أجرة على الوكالة وهي عقد مشروع ويجوز اخذ الأجرة على الوكالة”.
أحد أهم وظائف البنوك المركزية، هو تحديد نسبة الفائدة على الديون، وهي نسبة تلتزم بها المصارف والمؤسسات المالية في معاملاتها المصرفية التي تجريها أصالةً عن نفسها، ولصالحها وليس وكالةً عن البنك المركزي، وما يقوم به المصرف العقاري وصندوق الإسكان من إجراءات معاملات القروض، إنما هي عقود إقراض بينها (أصالةً) وبين المواطنين، وبتلك النسب من الفوائد التي حدّدها البنك المركزي، وما ورد من وصف “الوكالة” لعلاقة المصرف العقاري وصندوق الإسكان بالبنك المركزي، ليس له أصل ولا ذكر لدى هذه المؤسسات، وليس هناك بهذا الخصوص وثائق أو اتفاقات تثبت هذه الصلة والعلاقة، أما تقسيم العمولة (الفائدة) بين المصارف والبنك المركزي، فهو وهمٌ آخر من أوهام تلك الفئة (الخبيرة!) التي أوحت للمجمع الفقهي هذا التكييف الوهمي، والأدهى من ذلك، أن الفتوى تَعتبِرُ هذه النسبةَ هي أجرةَ وكالة، في حين أنّ تَحقُّقَ الوكالة يتطلب وجود عقد وكالة بين البنك المركزي والمؤسستين الماليتين، تتحدّد فيه الشروط والوظائف والعمولة التي يدفعها البنك المركزي لهما، بعيدا عن العقود المبرمة بين المواطنين وهاتين المؤسستين الماليتين.
يقسّم المجمعُ الفقهي، حسب تصوير الخبراء!، الفائدة التي يدفعها المواطن على القرض الذي يحصل عليه من المصرف العقاري وصندوق الإسكان، إلى قسمين: قسم يحصل عليه البنك المركزي كمصاريف إدارية، وهي مصاريف معدومة لا يحق للبنك المركزي أخذ شيء مقابلها، ناهيك عن أنه لا يحق للبنك المركزي، قانونا، التعاقد مع المواطنين للإقراض، أصالة أو وكالة. وقسم آخر يحصل عليه المصرف العقاري وصندوق الإسكان، كأجور وكالة، هي أصلًا غير موجودة إلا في مخيلة الفئة الخبيرة!، التي يبدو أنها هي التي أوحت للمجمع الفقهي بذلك.
والحقيقة الناصعة هي: أن العقدَ المبرم بين المواطنين والمؤسستين الماليتين، هو عقدَ دينٍ بفائدة، لا علاقة للبنك المركزي به سوى تحديده لنسبة الفائدة فقط، وأي تصور أو تكييف آخر لهذه العقود، إنما هو وهم ونسج خيال، وتسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، الاقتصادية والشرعية.
والجدير بالذكر هنا، هو ضرورة بيان التمييز بين بعض المصطلحات الشرعية والاقتصادية، فيجب التمييز بين الفائدة والأجور الإدارية، وكذلك التمييز بين الفائدة والربا.
أما الأجور والمصاريف الإدارية، فهي مبلغ مقطوع ثابت مصروفٌ حقيقيةً من قبل البنوك والمؤسسات المالية، وهو مبلغ متساوي لكل القروض، مهما كان مبلغ كل قرض، ويتم حسابه من خلال حساب كل المصاريف الإدارية الداخلة في إجراءات كل القروض بشكل تخميني قريب جدا مما هو حاصل في الواقع الفعلي، وتقسيمها على عدد ملفات القروض، لينتج كلفة المصاريف الإدارية الإجمالية على القرض الواحد، ويكون مقدار هذه الأجور ثابت ومقطوع ومتساوي لكل القروض، صغيرها وكبيرها، ولا علاقة لهذه الأجور التي تستقطع مرة واحدة بمدد سداد الأقساط، ولا يجوز تحديد هذه المصاريف بنسبة مئوية، لأنها لا تكون واقعية، ولا حقيقية ، من جهة، ولأن النسبة المئوية تعني عدم تساوي الأجور والمصاريف بسبب عدم تساوي مقدار القروض، واختلاف كل قرض يحصل عليه المواطن عن القرض الذي يحصل عليه مواطن آخر، من جهة أخرى.
أما نسبة الفائدة، فهي النسبة المئوية السنوية المفروضة على الديون، والتي تتغير حسب حجم الدين ومدته، وهي تلك النسب المفروضة على الإقراض البنكي، والنسب التي تمنح من قبل البنوك على الودائع البنكية لديها.
أما الربا في الديون، فهو ما وصفه زيد بن أسلم، فيما ذكرَهُ مَالِكُ في الْمُوَطَّأِ كما يَلي: (عن زَيدِ بنِ أَسْلَم أنَّه قال: كان الرّبا في الجاهِليّة، أنْ يكون للرَّجل على الرَّجل الحقُّ إلى أجلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ، قال: أَتَقضِي أَم تُربِى؟ فإن قضى أخذَ، وإلاّ زادَه في حقِّه، وأخَّر عنه في الأجل). (ابن أنس، مالك، الموطأ، ط 2، بيروت: دار العرب، 1997م، ج2، 204)، وهو كذلك ما ذكره الطبري في تفسيرِه: (وذلك أنّ الذين كانوا يأكلون من الرِّبا من أهل الجاهِليّة، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غريمه، يقول الغَريمُ لغَريمِ الحقِّ: “زِدني في الأجَل وأزيدُك في مالِك”. فكان يُقالُ لهما إذا فَعلا ذلك: “هذا رِبًا لا يَحِلُّ “. فإذا قِيل لهما ذلك قالا “سواءٌ علينا زِدنا في أوّل البَيع، أو عند مَحِلِّ المالِ “! فكذَّبهم اللهُ في قِيلِهم فقالَ: “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ”.) (الطبري، ابن جرير، جامع البيان عن تأويل القرآن الكريم (تفسير الطبري)، ط1، القاهرة: دار هجر للطباعة،2001م، ج5، 43).
واضحٌ مما سبق، أن هذه المصطلحات (المصاريف الإدارية، والفائدة، والربا) لها معاني محددة، شرعا واقتصادا، ولا يجوز تحويل معانيها إلى تعابير ومفاهيم أخرى، لا تمتُّ اليها بصلة، وأيّ تكييف أو تصوير شرعي للمسائل بخصوصها يتطلب مراعاة معانيها الأصلية الموضوعة لها شرعا واقتصادا.
4- ورد في الفتوى ما يلي: “وعليه فإن هذه العقود خالية من الفوائد الربوية، واقتطاع الأجور الإدارية جائز، وتحميلها على المقرض ظلم له، وقد قال الله تعالى: (وأنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالٍكُمْ، لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ) (البقرة: 279)، وتحمُّلُ المقترضِ الأجورَ الإداريةَ الحقيقيةَ حقّ عليه، كي لا يُظلَم المقرض، والنسبة المحددة لمرة واحدة لا تتكرر (طيلة مدة السداد) ليس فيها ظلم”.
نعم.. هذه العقود خالية من الربا، بالمفهوم الشرعي الذي فهمه الصحابة والتابعون في عهد الرسالة، والذي هو تأخير دين سابق إلى أجل جديد لقاء زيادة مفروضة على الدين، والذي هو “جدولة الدين” في مفهومنا المعاصر، ولكنها ليست خالية من الفوائد، فكل العقود، ديون بنسبة فائدة محددة، شئنا أم أبينا، ولا يهم بعد ذلك كل تلك الأسماء والمسميات التي يتم إلصاقها بها، أو توصيفها بها، فهي لا تغير من الحقيقة شيء أبدا.
أما الذين يعتبرون الفائدة ربا، ملزمون بسوق الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، التي تضع الفوائد تحت باب الربا، فلفظ الربا المذكور في القرآن، عام يحتاج إلى تخصيص عند بعض الفقهاء، أو مجمل يحتاج إلى بيان عند البعض الآخر منهم، لذلك لابد من سوق الأدلة (إن وُجٍدًتْ) في تخصيص أو بيان الفائدة، وأخذها حكم الربا. (ابن عاشور، الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، ج3، 87)، و(الجصاص، ابو بكر احمد بن علي، احكام القرآن، ج2، بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 1992م، 183).
أما الآية: (وأنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالٍكُمْ، لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ) (البقرة: 279)، فقد نزلت في العباس بن عبد المطلب، ونفر من ثقيف، بشأن الأموال الربوية المتأخرة في ذمة المدينين، والتي لم تتم تصفيتها إلا بعد فترة من نزول آية التحريم، وهو نص يخص الزيادة الربوية المفروضة على الدين الذي تأخر دفعه بسبب الإعسار في الدفع (الطبري، ابن جرير، جامع البيان عن تأويل القرآن الكريم (تفسير الطبري)، ط1، القاهرة: دار هجر للطباعة،2001م، ج5، 49-62)، لذلك، فَسوقُ الآية في هذا الموضع ليس في محله، لأن العقود المبرمة مع المصرف العقاري وصندوق الإسكان، هي عقود جديدة بفوائد، وليست ديون متأخرة، جرت جدولتها بإضافة زيادة ربوية عليها.
وأما تحمُّلُ المقترضِ الأجورَ الإداريةَ الحقيقية، فهو حق عليه كما تفضلت به الفتوى، ولكن ليس بنسبة مئوية، ولكن بحساب حقيقي للمصاريف الفعلية، وتحديد المبلغ الحقيقي المقطوع على القرض الواحد، بغض النظر عن حجمه ومدته.
5- عقد التأمين على الديون في البنوك، جزء لا يتجزأ من تلك الديون، إذ لا يتحقق عقد الدَّين إلا به، حاله حال الرهن في الدين، والضرائب المفروضة عليه، ووثيقة الملاءَة المالية للمقترض (بمعنى: إثبات حيازته للموارد المالية اللازمة لدفع الأقساط)، فهي كلها، مجتمعةً، تشكّل متطلبات إجراء عقد المداينة في البنوك، لذلك، فالتأمين جزء لا يتجزأ من العقد وليس تابع له، عليه.. فتكييف التأمين على أنه تابع لا يضر بأصل العقد ليس في محله.
أما حرمة التأمين بسبب الغرر والمقامرة، ففيه نظر، لما يلي:
أ- أن الغرر والمقامرة (بالمفهوم السائد) موجودة في عقود التأمين التكافلي الإسلامي أيضا، ولكن الفقهاء أجازوا التأمين التكافلي!
ب- أن الغرر موجود في شركة النهد، التي هي الأساس الذي بُنِيَ التأمين التكافلي عليه، وشركة النهد هي اشتراك مجموعة من الأفراد بما لديهم من الطعام مما جمعوه بينهم، والأكل منه مشتركا، فهذه الشركة يعتريها الغرر والغبن من وجهين، الأول هو تفاوت كميات الطعام المُجمَّع من الأفراد، والثاني هو تفاوت مقدار أكلهم من الطعام المشترك، وقد أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الشركة، فيما رواه أبو موسى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ”. (البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ط1، القاهرة: دار التأصيل، 2012م، ج3، 407).
ت- لا تستند أنشطة التأمين التقليدي، والتأمين التكافلي على المقامرة، إذ يتم ضبط هذه الأنشطة من قبل الخبراء الإكتواريين، الذين يحسبون (علميا، واقتصاديا) كل المخاطر المحتملة والمتعلقة بهذه الأنشطة، لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الأنشطة مقامرةً أو مجازفةً، بسبب الدراسات العلمية والاستشرافية التي تصاحب هذه الأنشطة.
ث- عقود التأمين، التقليدي منها والتكافلي، هي عقود خدمة، تشبه عقود الحماية (الحراسة)، وعقود الصيانة، من حيث وصفها بالغرر والمقامرة، وهي عقود شرعية صحيحة، فكيف لا تسري أحكامها على عقود التأمين؟
ج- عقود الإذعان، هي عقود غَبنٍ مفروضة على طرف ضعيف خارج إرادته، ولا يستطيع الفكاك منها، والتأمين في عقود قرض الإسكان، هو جزء منها، وليس مفروض على المقترض، إذ يستطيع المقترض الرجوع عن الاقتراض، وتجنب هذا المحذور، إذا كان لديه حرج فيه.
6- ورد في الفتوى ما يلي: “وبناءً على ما تقدم: يجوز لمن لا يملك دارا أخذ هذه القروض لبناء سكن أو شراء وحدة سكنية لهذا الغرض فقط”.
لو عدنا إلى التكييف الفقهي للمسألة من قبل المجمع الفقهي، وجدنا أنه قائم على الأسس التالية:
أ- أن البنك المركزي قد وكّل المصرف العقاري وصندوق الإسكان لتوزيع مبادرة القروض على من يرغب الاستفادة منها.
ب- أن نسبة العمولة التي يحصل عليها البنك المركزي، والمؤسستين الماليتين، هي أجور وكالة، ومصاريف إدارية تبذلها هذه المؤسسات في عمليات تنفيذ القروض.
ت- التأمين على هذه القروض، هو من صيغ الإذعان، ووجوده في العقد تبعا لا أصالة، فلا يضر بأصل العقد.
وعلى أساس هذا التكييف الفقهي والاستدلالات المصاحبة له، أفتى المجمع الفقهي العراقي بما يلي: “يجوز لمن لا يملك دارا أخذ هذه القروض لبناء سكن أو شراء وحدة سكنية لهذا الغرض فقط”.
وتطرح الأسئلةُ الوجيهةُ هذه نفسها، على هذه الفتوى، وتكييفها، واستدلالاتها:
السؤال الأول: لماذا حصر المجمع الفقهي العراقي فتواه في قروض العقارات، ولم يطلقها على كافة قروض البنك المركزي، ومنها القروض الاستثمارية والاستهلاكية، خاصة وأنها يمكن أن تأخذ نفس التكييف الفقهي، ونفس الاستدلالات؟ وبمعنى آخر: إذا كان التكييف الفقهي في كل قروض مبادرة البنك المركزي العراقي واحد، فعلى أي أساس يستند المجمع الفقهي العراقي في إجازة البعض دون الآخر؟
السؤال الثاني: لماذا اقتصر الجواز على من لا يملك دارا؟ وما الفرق بين من يملك دارا ومن لا يملك؟ إذ ليس في متن وتفاصيل الفتوى، والتكييف الفقهي، أية إشارة لأسباب عدم الجواز لمن يملك دارا، علما بأن التكييف الفقهي واستدلالاته يؤكد سريانه على كل أنواع القروض، وعلى القروض العقارية بالأخص، ولمن يملك ومن لا يملك دارا.
السؤال الثالث: ألا تجري الفتوى على كافة العقارات كالأراضي، والأبنية التجارية، والمجمعات الصناعية، وغيرها، خاصة وأن التكييف الفقهي، بالشكل المعروض في الفتوى، يشملها أيضا؟
وختاما.. لسنا هنا، وفي معرض هذا الردّ، بصدد بيان أحكام الحلال والحرام، وإن كان هذا واجبا شرعيا، وإنما نحن بصدد بيان إشكالات التكييف الفقهي، وملابسات استدلالاته، لنضعها أمام فقهائنا الأفاضل في المجمع الفقهي العراقي، ليعيدوا النظر في الفتوى، بعد الحصول على المعلومات الاقتصادية والمصرفية الحقيقية اللازمة لتشكيل التكييفات الفقهية، علما بأننا نضم رأينا إلى رأي المجمع الفقهي العراقي، في جواز هذه القروض شرعا، ونشير مع ذلك إلى الأهمية الاقتصادية للسياسة النقدية التوسعية للبنك المركزي في تنشيط الاقتصاد ودعم التنمية الوطنية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.