هل سنركع للأتراك في حرب المياه


عراقيزن/متابعة/ في السنوات الأخيرة ، شهد مصطلح “دبلوماسية المياه” أو “الهيدرو ديبلوماسي” كمصطلح جديد ومثير للإعجاب وللدهشة – في معجم الصحفيين وواضعي السياسات ومستشاريهم ، حين تم إستخدام هذا المصطلح لمناقشة كيفية حل الصراعات المائية وتعزيز التعاون في مجال المياه من أجل السلام .
العديد من المؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي ، ومنظمة التعاون الأمني في أوروبا (OSCE) ، تستخدم هذا المصطلح في مجال المياه سواء كان ذلك حول الصراع المائي أوالإدارة أو التعاون مما يشكل إلتباساً في تنفيذ مهام دبلوماسية الميا

وأكثر خبير يتابع قضية مخاطر أزمة المياه من العراق في المؤتمرات الدولية واللقاءات الصحفية والاعلامية هو الأستاذ ” رمضان حمزة محمد ” كبير خبراء الإستراتيجيات والسياسات المائية (IWRM M.Sc) عضو هيئة التدريس في جامعة دهوك ، مدير معهد إستراتجيات المياه والطاقة WESI .
يقول حمزة ، في ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت سوريا في بناء سد ” الثورة ” ، بدأت تركيا في العمل على سد ” كيبان ” هذان المشروعان أكملا العمل فيها في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم، وأدى ذلك إلى أول نزاع في المنطقة عام 1975 عندما بدأ كلا البلدين في حجز المياه لمليء الخزانات لهذين السدين، مما تسبب في نقص كبير في تدفقات نهر الفرات الذي هدد في المقام الأول المزارعين العراقيين في وسط وجنوب العراق . وبدأت معركة الاتهامات وتوتر الوضع بتحشيد الجيوش بين العراق وسوريا وتدخلت المملكة العربية السعودية والاتحاد السوفيتي ، وتم تجنب النزاع .

ظهرت أولى علامات التعاون في أواخر الثمانينيات في عام 1987 وعام 1989 على التوالي ، توصلت تركيا وسوريا إلى اتفاق ثنائي تعهدت فيه تركيا بزيادة تدفق المياه إلى سوريا وحددت التصريف بـ (500) متر مكعب في الثانية ، ووافقت سوريا والعراق على الاستفادة من تدفقات المياه في الفرات بنسبة 42% لسوريا و58% للعراق.
ومع ذلك ، لم يمنع هذا نزاعًا جديدًا نشأ في كانون الثاني 1990 ، عندما أوقفت تركيا جميع تدفقات مجرى نهر الفرات لتملأ البحيرة خلف سد ” أتاتورك ” .
ونتيجة لذلك ، شرعتا سوريا والعراق بمقاطعة الشركات التي شاركت في مشروع جنوب شرق الأناضول الكبير (GAP) ، وهو مشروع تطوير رئيسي يتكون من إنشاء 22 سداً و 19 محطة للطاقة الكهرومائية ، تهدف إلى تطوير المنطقة ، علاوة على ذلك ، بدأت جيوش الدولتين في الاستعداد لعمل عسكري لإجبار تركيا على عكس هذا التحرك ، ونجحت هذه الإجراءات المشتركة من قبل سوريا والعراق وبعد بضعة أسابيع أطلقت تركيا تدفق المياه على إثرها تم عقد اتفاقية مشتركة بين سوريا وتركيا في عام 2001 بشأن مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالمياه ، وعقدت قمة أنقرة في عام 2009 بين تركيا والعراق وسوريا للتعامل مع حالات الجفاف الرئيسية التي ضربت المنطقة آنذاك ومع ذلك ، كانت جولات المفاوضات تتميز بموقف “رامبو” أي الدفاع القوي عن المصالح الذاتية الوطنية لتركيا وعدم الرغبة في التعاون، وإلى يومنا هذا لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل توقعه الدول الثلاث.
في غضون ذلك ، زادت التوترات مرة أخرى ، خاصة بين العراق وتركيا ، لأن العراق يعاني من نقص حاد في المياه وتركيا تخطط لبناء سدود جديدة وخاصة بعد بتشغيل أول توربين في سد ” إليسو” ، يوم الثلاثاء الموافق19 أيار 2020، ودخل السد مرحلة التشغيل الفعلي وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد أعلن في مراسيم تشغيل السد، أن أنقرة ستبدأ بتشغيل واحد من ستة توربينات لسد إليسو، الأمر الذي سيقلل كمية المياه التي تصل للعراق من نهر دجلة.

السؤال الذي يتبادرالى الذهن لماذا الإصرار التركي على إكمال “سد إليسو” وسط تصاعد أصوات حماة البيئة والآثار والمجتمع المدني المحلي والعالمي وإنسحاب الشركات الأجنبية التي كانت تمول المشروع وتعمل في تنفيذه، والرفض القاطع من قبل الحكومتين العراقية والسورية ؟.

الجواب يكمن في أن تركيا تريد أن تستحوذ على مياه نهر دجلة بالكامل بعد أن أحكمت سيطرتها على نهر الفرات بأنشاء سد اتاتورك العملاق وبسعة خزنية تقدر ب(48) مليار متر مكعب وسدين آخرين هما بيرجيك وكراميلس في المنطقة المتاخمة للحدود السورية ، وهذا يعني ببساطة أن عملية إملاء خزان سد إليسو سيستوعب نصف التدفق السنوي لنهر دجلة البالغ 15 مليار متر مكعب بعد اكتمال منظومة سد إليسو والجزرة ، وبذلك سيكون نهردجلة بالكامل تحت سيطرة محكمة من قبل الدولة التركية .

العراق بين فكىٍ كماشة مشروع ” كاب GAP” التركي و ” تواب TWP ” الإيراني

مشروع كاب التركي يتكون من 22 سد و19 محطة توليد للطاقة الكهرومائية ومجموعة من أنفاق الري لتحول المياه بعيداً من مواقع السدود الى مناطق خارج حوض التغذية مشروع إجندته سياسية قبل أن تكون تنموية، وكذا مشروع تواب الإيراني أوما يسمى مشروع المياه الاستوائية (TWP) فهو يتضمن بناء سلسلة من السدود وأنفاق التحويل على نهري سيروان وزمكان. ويتضمن 14 سداً والعديد من مشاريع الطاقة الكهرومائية والعديد من محطات الضخ وأنفاق التحويل التي يتم إنشاؤها أو التخطيط لبناءها على نهري سيروان وزمكان وروافدها داخل الأراضي الإيرانية. تبلغ السعة التخزينية الإجمالية للسدود الـ 14 المشاركة في مشروع TWP حوالي 1.9 مليار متر مكعب من المياه. بالإضافة إلى ذلك ، تم تصميم أنفاق التحويل لتحويل أكثر من 1000 مليون م 3 / سنة من المياه إلى مناطق تقع خارج حوض نهر ديالى داخل الأراضي الإيرانية. سيتم تقليل تدفق المياه الى سد دربنديخان بشكل كبير وبحوالي 77 ٪ من منطقة مستجمعات المياه الأصلية لسد دربنديخان. السؤال أين موقف الحكومة العراقية مما يجري من حبس المياه وتقليل الحصص المائية التي تدخل الحدود العراقية من الشمال والشرق الى حدود المتطلبات البيئية فقط .
العراق سيكون في مواجهة كوارث إنسانية في قادم الأيام إذا لم يتخذ القرار والبدء في التفاوض لإقرار حقوق العراق كدولة مصب في ظل مناخ متطرف وإستقرار سياسي قلق.
وعلى ضوء هذه المعلومات المطلوب وضع خطة علمية مدروسة لاستخدام وادارة المياه، لأن النمو المطرد للسكان والحاجة الفعلية إلى المياه للاستخدامات المختلفة تتعاظم يوماً بعد يوم ويجب العمل على تغيير النظرة التقليدية إلى المياه بتشر ثقافة ترشيد استخدام المياه لكل القطاعات مثل الشرب والزراعة والصناعة وخاصة أن لدى العراق صناعة نفطية (استخراج وتصفية) واعدة وهذه الصناعة ستستهلك كميات كبيرة من المياه ، فإن مشروع سد إليسو لا يمثل وحده الخطر القادم كما يتصـور البعض، بل أن مشروع ( اليسو– جزرة ) يعد أكثر خطورة وتأثيراً علـى مسـتقبل العراق المائي والبيئي ولذا ينبغي على الحكومة العراقية التحرك سريعاً لمواجهة النقص المتوقع في واردات ميـاه نهـر دجلة حيث أكتمل إنشاء هذه المنظومة، من اجل تدارك أخطارهما المحتملة.

هل أزفت ساعة الحروب على المياه

يمكن لنقص المياه أن يسبب نزاعات شرسة، وحروباً مدمرة ، ودائماً ستكون لهذه الحروب ” حروب المياه ” عناوين ومسميات أخرى، التاريخ القريب يذكرنا بأن حرب الخليج الأولى والثانية كانت حروب مياه إبتكرت لها أسماء قومية ودينية وغيرها ، حروب العرب وإسرائيل هي حروب مياه باسم الإستيطان والدين .
علم إسرائيل المؤشر بخطين أزرقين هما النيل والفرات لا يخفي ذلك، النيل الأزرق يؤرق إثيوبيا ومصر والسودان . أينما تذهب ستجد المياه أصبحت تؤرق الحكومات لأنه بدون المياه، سيكون الجوع بسبب فقدان الزراعة ، والركود في الصناعة ، كون الزراعة أكبر مستهلك للمياه العذبة، فهي تستهلك حوالي 70 في المائة؛ والصناعة، 20 بالمائة؛ والاحتياجات المعيشية، 10 في المائة.
وبالتالي، فالصراعات على المياه العذبة تهدد بزعزعة استقرار مناطق بأكملها في المستقبل القريب. الدول ستتباهى باحتياطياتها من المياه العذبة بدلاً من النفط.

وسيكون من الصعب على الدول المختلفة الاتفاق على استخدام مصادر المياه المشتركة ما لم يتم رجحان العقل وتفضيل المصلحة العامة على الخاصة، والعمل ضمن إطار المنفعة المتبادلة من المياه الدولية المشتركة ، فهل سيتم البدء بإصلاح الإطار التنظيمي لمواردنا المائية خارجياً وداخلياً وبروح تنافسية وإشراك طرف ثالث ( هيئات دولية ، بيوت الخبرة) في أية مفاوضات مع الأترك والإيرانيين،

ومع القطاع الخاص داخلياً بشكل مدروس وفعّال، وعادل أيضاً، وضمان ملائمة ذلك للأمن الاجتماعي ضمن إطار كٌلي وتنظيمي شامل، فالمجتمع العراقي مشهود له بالكفاءة والمهارة في التخطيط وتنظيم المشروعات ، حيث سيبرع ليزدهر إقتصاد بلده ويعمل على فشل السيناريوهات التي ترسم بادخال الرعب وزعزعة الثقة في نفس المواطن العراقي .
فالسياسات التي يمكن أن تُحدث فرقاً هي إما البدء والشروع في مفاوضات وبأجندة قوية ومفاوض متمرس أو حل صعب التطبيق وترك الساحة لتركيا وإيران ليكون العراق مهمشاً بحكم الأمر الواقع .

وأخيراً اليكم مقتطفات من أقوال الأستاذ ” رمضان حمزة محمد ” كبير خبراء الإستراتيجيات والسياسات المائية :

• عندما يكون هناك خطط إستراتيجية يكون الخير الوفير ورغد العيش .

• الماء يُفهم بطرق مختلفة: كسلعة اقتصادية (في السوق) ، كسلعة سياسية (في البيروقراطية) وكسلعة ثقافية (في العلاقات الإجتماعية).

• في العراق عموماً وفي الإقليم خصوصاً نحتاج الى فريق عمل نراهن عليه للعبور الى مرحلة جديدة في تاريخ البلد .. لتكون الأسرع إستجابة للمتغيرات العالمية الجديدة ( كورنا، الركود الإقتصادي ، نزاعات على الموارد الطبيعية والأرض .

• نحن في عالم الأفضلية فيه للأسرع في فهم المتغيرات ،واتخاذ القرارات ، وتغيير الأولويات ، وليكون الملف المائي له الأولوية القصوى في الإستجابة لهذه المتغيرات أياً يكون نوعها لأن المياه أصبحت اليوم هي المورد المرن وليس المورد الثابت كما كان في السابق .

• لحماية البلد من إنتكاسات أقتصادية، إجتماعية وسياسية ، نحتاج الى نهج تغيير شامل في التعامل مع الملف المائي لمواجهة التحديات وحلها .

• في ظل تغير المناخ يقسم الجفاف الى جفاف من صنع الإنسان ، جفاف تنظيمي ، جفاف في البنية التحتية ، جفاف مؤسسي ،جفاف مناخي وجفاف مائي .

• في التخطيط الإستراتيجي للمياه ، يلعب الإقتصاد السياسي المحلي دوراً رئيسياً في تكامل الخطة كونه أحد مرتكزات سيناريو التنمية .

• دبلوماسية المياه بإشراك”طرف ثالث”في المفاوضات يتيح فرصاً إضافية لدفع التفاهم المتبادل وضمان الإجراءات الجماعية حول المياه المشتركة .

• التغلب على ندرة المياه يعني استكشاف موارد المياه غير التقليدية.

• وضع العراق بعد 2003 صيغ بشكل قانوني ليكون في منطقة رمادية وسيطة بين القطاع العام والخاص وهذا سبب الافتقار إلى المسائلة والشفافية .

• إستمرار تركيا لبسط”السيادة”على المياه المشتركة يحمل في طياته تهديدا للسلام الأقليمي وانتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي .

• منظومة سد إليسو – الجزرة هل يٌدرك مدى شدّة خطورته على الأمن المائي العراقي بإخراج سد الموصل من الخدمة الفعلية .

• تردي الإقتصاد التركي يدفع تركيا الى الإعلان لخصخصة مشاريعها المائية في حوضي دجلة والفرات ، ومن يقبل بخصخصة المياه يقبل بخصخصة الحياة ! .

• عندما تتعدى المشاريع المائية لدول المنبع خطط وأبعاد التنمية وتتحول إلى اجندة سياسية فتلك يمكن أن نطلق عليها مشاريع الإرهاب البيئي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *