الولايات المتحدة في عهد ترامب: مئة يوم من التخبط /  حسن منيمنة

 

 

 

انقضت المئة الأولى من أيام عهد الرئيس دونالد ترامب، وهذه الفترة، في العرف السياسي المتبع في الولايات المتحدة، هي الاختبار الأول لأسلوب عمل الرئيس الجديد، ولتبين التوجهات العامة لرؤيته، ولتوضيح طابع تواصله وتفاعله مع سائر مواقع السلطة، كما مع الجمهور في شكل عام. هي إذاً محصلة أولية لإنجازات الرئاسة الجديدة. وكما الحال في شأن كل ما يرتبط بهذا الرئيس، فالتقييمات تختلف وتتباعد إلى حد التناقض، ويستمر مع تناقضها تآكل إمكان الاتفاق على قواعد للخطاب والمنطق والحوار.

 

ثمة إنجاز مهم وخطير لا بد من الإقرار به لدونالد ترامب ابتداءً، وهو نجاحه المنقطع النظير في تطبيع ما كان قبله موضع استهجان. إذ يمكن، وفي شكل يومي، الإشارة إلى تراكم الأقوال والأفعال والتي لو بدر أي منها عن أي سياسي آخر لكانت سبباً لملاحقة إعلامية وإنكار شعبي وتحفظ حتى في صف من ارتكبها. أما ترامب، فله أن يقول ما يشاء، على أي قدر من الانحطاط والسفاهة، وأن يفعل ما يطيب له، ولو تعارض فعله مع الأعراف والتوقعات. فأقصى ما يناله من كل هذا هو صدمة لدى الخصوم، وامتعاض لدى المؤيدين من صدمة الخصوم.

 

رئيس يشتم سلفه، ويتهمه بإساءة استعمال السلطة وتجاوز صلاحياته عبر التنصت والتسريب المغرض والكذب. هي فضيحة من دون شك، فإما أن المتهم مذنب، ولا بد من تحريك كافة الأجهزة القضائية لإنقاذ الدولة من قمة الفساد، أو أن من أطلق الاتهامات أخطأ أو كذب، فإن أخطأ عليه الاعتذار كحد أدنى، وإن كذب فملاحقته متوجبة للتفريط بالنظام وللقذف بحق من اتهمه. أما في حال ترامب، وقد كذب جهاراً في شأن سلفه باراك أوباما، فلا عواقب للفعل. بل الأعذار حاضرة. «ترامب انفعالي، فلا يتوجب أن تؤخذ أقواله بحرفيتها. نعم، هو طعن بأوباما، وضلّل السلطة التشريعية باتجاه تحقيقات عبثية، وألزم مؤيديه البحث عن أي تفصيل من شأنه، بعد تأويلات متسلسلة، أن يقدم ما يمكن الزعم بأنه شبهة لتلطيخ جلاء كذبه. ولكن لا بأس، فهذا ترامب. ومن يعترض هنا، فليراجع سجلّ الرجل على مدى العامين الماضيين وليُجب عن السؤال، لماذا الاعتراض اليوم وليس بالأمس؟».

 

لكن المسألة لا تقتصر على الأقوال. فالضربة على قاعدة النظام السوري بعد جريمة خان شيخون أمر يتوجب التوقف عنده. طبعاً، النظام المجرم يستحق أضعافاً مضاعفة عمّا طاله مع الضربة، وروسيا التي تتلاعب بالشرعية الدولية منذ فرّط أوباما بدور الولايات المتحدة، نالت كذلك خضّة أقل من مناسبة. لكن ما حدث سابقة مروّعة. فالضربة كانت مرتجلة ومبنية على ردة فعل ترامب، إذ أثارته صور الأطفال القتلى. نعم، ثمة ضوابط، فكبار المسؤولين عن السياسة الخارجية، من وزير الدفاع جايمس ماتيس، إلى مستشار الأمن الوطني إيتش آر ماكماستر، ومندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، وإلى حد ما وزير الخارجية ركس تيلرسون، هم، على خلاف رئيسهم، على قدر مشهود من الاطلاع والاتزان. وفي موضوع ضرب النظام السوري، ربما رأى هؤلاء أن ثمة جدوى في الأمر، وإن كانت حكومة ترامب ما زالت تفتقد الرؤية والخطة البعيدة المدى في شأن سورية والشرق الأوسط، بل العالم ككل. فالضربة حصلت من دون اعتراض منهم، بل الأرجح أن بعضهم شجع الرئيس على الإقدام عليها. غير أنه من الخطأ افتراض أن هؤلاء، أو المؤسسات الأمنية والعسكرية، يشكلون صمام أمان لنزوات الرئيس، والتي قد تتكرر في مكان آخر وموضوع آخر ونتيجة لصور أخرى. بل الخطر أن الضربة قد لاقت الترحيب في مختلف الأوساط في واشنطن، على رغم أن، وفق التشريعات المتبعة، فيها تجاوزاً للصلاحيات الدستورية والقانونية الممنوحة للرئيس، أي أنها تشكل وحسب حلقة أخرى من مسلسل تفتيت الوضع القائم والذي يعتمده ترامب في كل موضوع.

 

تطبيع ما هو مستهجن وضرب النظام السوري هما الإنجازات. أما الإخفاقات فمن الصعب تحديدها. ولو أخذت وعود ترامب بالحقيقة لا المجاز، فإنه فشل في أهمها، في الداخل والخارج.

 

سعيه إلى حظر دخول المسلمين، وإن كان قد أعيدت صياغته ليتجاوز الصلافة ومعها ربما الموانع الدستورية، فشل أمام أوامر قضائية تصرّح بأن النية المبيتة باستهداف جماعي للمسلمين، وإن اقتصرت على البعض لتعذر الكل، كافية لاعتراض التطبيق.

 

أما جائزة الترضية التي نالها جمهور ترامب المتعطش للاقتصاص من المسلمين، ككمّ جماعي، فهي عرقلة لبعض شركات الطيران التابعة لدول ذات غالبية مسلمة، بما في ذلك من دعم إضافي، خارج إطار المنافسة النزيهة، لشركات طيران أميركية.

 

وعده الاستفزازي ببناء جدار عازل مع المكسيك وتعهده الوقح بإرغام المكسيك نفسها على تسديد قيمته، والذي طالما كرره بلغة التهريج والابتذال، تبدلت مضامينهما. فالجدار لم يعد جداراً، والمكسيك، طبعاً، لن تدفع. أما جمهور ترامب فمدعو من باب التعويض إلى التشفي بطرد بعض المقيمين من دون الأوراق المؤهلة.

 

تأكيده أنه فور توليه الحكم سوف يعمل على استبدال برنامج الرعاية الصحية، وهو أهم إنجاز لأوباما، بآخر أفضل وأقل كلفة، ذهب أدراج الرياح. فعلى رغم أن الكونغرس بمجلسيه في قبضة حزب ترامب، فإن الرجل الذي أنهك المسامع بالحديث عن قدراته التفاوضية الخارقة، فشل في دفع حزبه إلى التوصل إلى تسوية، واكتفى بتوزيع اللوم على القاصي والداني.

 

أما إخفاقه الأخطر فأنه وبعد مضي مئة يوم، لم يسمِّ إلا عدداً ضئيلاً من فريق عمله. فالتسميات بضع عشرات، والوظائف الشاغرة بالمئات. الدوائر الرسمية تتابع العمل بالطبع، فالعديد من الذين كانوا من فريق أوباما يتابعون وظائفهم، وأوباما نفسه لم يعيّن كامل الفريق الذي كانت من صلاحياته تعيينه. ولكن الشغور الذي سمح به ترامب غير مسبوق لا من حيث الحجم، ولا من حيث إن الرجل وبعض من يؤيدونه يتحدثون علناً عن إطاحة النظام الإداري القائم. فيبدو أن هذه الإطاحة قد تتم من خلال الفوضى والتخبط، شاء هذا الرئيس أم أبى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.