التصعيد الأمريكي ـ الروسي: معالم مرحلة جديدة؟ / رأي القدس

 

 

 

شهدت العلاقات الأمريكية الروسية تصعيداً غير مسبوق على خلفية استخدام النظام السوري لغاز السارين في بلدة خان شيخون الأسبوع الماضي والضربة الصاروخية الأمريكية التي تلته.

تمثّل ذلك بداية برفض روسيا الالتزام بموقف أممي في مجلس الأمن ضد استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا رغم أنها كانت الدولة الرئيسية الضامنة لتسليم ترسانة دمشق الكيميائية التي قدّرت وقتها بـ13 ألف طنّ، كما كانت، عمليّاً، المقاول الرئيسي للصفقة التي أنقذت النظام السوري من ضربة عسكرية مفترضة تنهي شرعيّته الدولية وتغيّر ديناميات الأحداث بتقديمها اقتراح التخلّص من تلك الأسلحة، كما أنها (الصفقة) أخرجت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما من ورطة «الخطّ الأحمر» ومن حرج أوباما (حائز جائزة نوبل للسلام!) من اللجوء لاستخدام القوّة ضد نظام بشار الأسد عام 2013 (متهيّبا بالتأكيد من تاريخ سلفه جورج دبليو بوش وكارثة التدخل في العراق).

قبول الإدارة الأمريكية الجديدة باستخدام السلاح الكيميائي بتلك الصورة الواسعة من جديد كان يعني، بالضرورة، قبولها إلغاء الاتفاق الدولي السابق وتشريع مراكمة النظام السوري للأسلحة الكيميائية واستخدامها ضد السوريين، كما يعني، بشكل ضمنيّ، مصادقة أمريكية للحلف الروسي ـ الإيراني في سوريا على فتح سابقة عسكرية وسياسية جديدة غير متّفق عليها مع الأمريكيين (والدول الغربية) من قبل.

الغضب الروسي ـ الإيراني الذي تمّ التعبير عنه أول أمس ببيان وزعته وكالة أنباء رويترز ويتحدّث عن قيادة مركزية للبلدين (ملحق بها «حزب الله» اللبناني) ويعتبر الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات السوري عدواناً واختراقاً لـ»الخطوط الحمراء»، ويهدد باستخدام القوة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كان صعباً استيعابه من قبل الأمريكيين لأن استخدام الأسلحة الكيميائية أمر يلغي بالتأكيد الاتفاقات السابقة والتي تمت متابعتها من قبل مجلس الأمن والأمم المتحدة.

يندرج الغضب الروسي والإيراني في واقع أن حلف البلدين مع نظام الأسد قلب موازين القوى داخل البلد لصالحهما وأدّى لتغييرات استراتيجية فيه، وصار الوضع جاهزا لإقرار تسوية تعيد نظام حكم الأسد على باقي سوريا مقابل تطعيم حكومته ببعض وجوه المعارضة التي قاتلته ست سنوات، وبالتالي فعلى الأمريكيين والدول الغربية المشغولين أساساً بتدمير تنظيم «الدولة الإسلامية» وشقيقه «القاعدة» في سوريا والعراق، قبول هذا الواقع والتعامل معه، وخصوصاً لكون إدارة ترامب نظّرت مبكرا لتنسيق استراتيجي مع روسيا كما تقبّلت فكرة بقاء الأسد وهو أمر، ربما لعب دوراً، في قرار دمشق وموسكو في تجريب فكرة «الحل النهائي» بإبادة المعارضة السورية مع حاضنتها البشرية بالغازات السامة.

غير أن اندفاع الأسد وحليفه في الكرملين فلاديمير بوتين بهذا الاتجاه «الكيميائي» كسر أبواباً كانت، ربّما، مؤهّلة للكسر ولم تكن تحتاج غير خطوة من هذا القبيل، فإدارة الرئيس الأمريكي ما تزال تخوض معارك سياسية وإعلامية حرجة تربط نجاح ترامب بتدخّل روسيّ في الانتخابات الأمريكية، كما أن سياساته الداخليّة (كقرار حظر مواطني دول مسلمة من دخول أمريكا، وتعديل قانون «أوباما كير» الصحي) تلقّت ضربات موجعة، فيما تراجعت نظرية «أمريكا أوّلاً» وتم إخراج منظّرها، ستيف بانون، من طاقم ترامب الأمني.

يضاف إلى ذلك ظهور الخطر الكوري الشماليّ، والانعطافة الأمريكية الواضحة باتجاه الصين القادرة على «حلحلة» ذلك الملف النووي المرعب، وترافق ذلك مع العدوانية الروسية المستمرة، والحلف مع إيران (من دون التأثير على علاقات التنسيق الخاصة مع إسرائيل!)، لتتشكل في واشنطن معالم خيار استراتيجي جديد يعيد آفاق التحالف مع العملاق الصيني في سبيل وضع حدّ للدب الروسيّ المتمدد في الشرق الأوسط وصاحب الوزن الكبير في أي انتخابات أوروبية (فرنسا مثالاً) والعامل على تفتيت حلف «الناتو»، والطامح إلى مزيد من مناطق النفوذ والبحار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.