لقاء العبادي وترامب: ما وراء الصورة الوردية! / يحيى الكبيسي

 

 

في كانون الأول/ديسمبر عام 2011، ومع الإعلان عن الانسحاب النهائي للقوات الامريكية من العراق، كان ثمة لقاء بين رئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي في حينها، والرئيس الأمريكي السابق اوباما. اعطى هذا اللقاء صورة وردية عن العراق جسدتها كلمات الرئيس أوباما الذي تحدث عن عراق يعكس «تقدما مثيرا للإعجاب صنعه العراقيون»! وعن عراقيين «يعملون على بناء مؤسسات تتسم بالكفاءة ومستقلة وشفافة»! وعن رئيس مجلس وزراء «يقود حكومة هي الأكثر شمولا حتى اليوم»! وأخيرا عن «احصاءات لافتة للنظر» فيما يتعلق بالبنية التحتية والتنمية! و»تقديرات» بأن اقتصاد العراق سينمو أسرع حتى من اقتصاد الصين أو الهند! وهي رؤية لا تتوانى عن جعله «نموذجا للمنطقة بأكملها» يبعث برسائل قوية للمنطقة العربية بأنه «بلد الناس فيه من مختلف الطوائف الدينية والعرقيات يمكن حل خلافاتهم سلميا من خلال العملية الديمقراطية»! وهذه الصورة الوردية دفعت هيئة تحرير صحيفة الواشنطن بوست إلى كتابة عمود تحت عنوان موح: «رؤية أوباما الوردية لعراق ما بعد الحرب»، واصفا إياها بانها رؤية «متفائلة بشكل مقلق»! يومها تحدث المالكي أيضا عن تحقيق الاهداف التي وضعتها حكومته، وعن النجاح في «هزيمة تنظيم القاعدة والإرهاب»!

وتواطأ الرجلان على إغفال ما كان يراه الجميع يومها من مؤشرات على فشل مشروع بناء الدولة في العراق، ومؤشرات عودة العنف! يومها كتبت شخصيا إن الصورة الوردية المزيفة هذه لن تغطي على لون الدم الذي بدأنا نتحسسه من الآن في ظل الصراع المتصاعد بين وهم القوة التي ينتشي بها البعض، وواقع التهميش الذي يعيشه البعض الآخر!

لم ينتظر المالكي طويلا ليحتكر السلطة بالكامل، بل ويلجأ إلى تحييد السلطة التشريعية نفسها من خلال استخدامه للمحكمة الاتحادية اداة لتنفيذ ذلك! فقد أطاح بنائب الرئيس «طارق الهاشمي» وهو في واشنطن! وبعد أقل من ستة أشهر شعر الجميع بخطورة الرجل وممارساته، فاتفقت بقية الكتل في محاولة عابرة للطائفية على الإطاحة بالمالكي، وكادت المحاولة ان تنجح لولا إفشال بعض النواب السنة من القائمة العراقية لذلك! واستمر المالكي في سياسة تسقيط خصومه، وكان وزير المالية حينها رافع العيساوي من ضمن الذين اطاح بهم المالكي، وانتهت هذه الممارسات بحركة تظاهرات واعتصامات اجتاحت الجغرافيا السنية بكاملها! استطاع المالكي ان يجهضها بالقوة، وانتهى هذا المشهد بسيطرة تنظيم الدولة على أكثر من ثلث العراق!

اليوم، وبعد لقاء رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، نجد ان الصورة الوردية الـ»مفترضة» نفسها ترتسم من جديد، وقد حرص الرجلان على تسويقها، من خلال التركيز التام على التعاون العسكري بين الطرفين، والحرب على تنظيم الدولة، من دون اي اشارة إلى اي المواضيع الشائكة الاخرى! وربما كانت إشارة ترامب إلى أن الولايات المتحدة ما كان ينبغي لها ان تنسحب من العراق، قائلا «ما كان يجب ان نرحل أبدا»، ثم سؤاله الملغوم عن الاتفاق النووي مع إيران، واشارته إلى أنه ما زال لا يفهم اسباب توقيع اوباما على هذا الاتفاق! هما الإشارتان الوحيدتان غير المتفق عليهما التي تخللت الصورة الوردية التي تم تسويقها. وقد حرص العبادي على الإبقاء على هذه الصورة في محاضرته اللاحقة للقائه مع ترامب التي القاها في معهد السلام الامريكي. حيث ركز العبادي أيضا على العلاقات العسكرية العراقية الامريكية في محاربة تنظيم الدولة، وما أسماه «زيادة الانخراط الأمريكي في الحرب»، ثم تحدث حديثا «مضللا» عن ميليشيا الحشد الشعبي، وأن مستقبل هذه الميليشيات «بعد الحرب» سيكون إما بضمها إلى القوات العسكرية، او نزع سلاح من لا يرغب بذلك، على خلاف ما قرره القانون الذي صدر قبل ثلاثة أشهر حول فك الارتباط بين الحشد الشعبي ومرجعياته العقائدية والسياسية خلال مدة ثلاثة أشهر (وهذه المهلة ستنتهي يوم 25/3/2017)! واشار إلى الحاجة إلى «خطة اقليمية» لهزيمة الإرهاب، في محاولة للقول بأن الإرهاب ليس نتاج عوامل موضوعية داخلية في العراق، وإنما نتاج مؤامرة خارجية! ثم تحدث حديثا عاما وفضفاضا، عن الإصلاح، والمعارضة السياسية، وإعادة الإعمار والحاجة إلى التمويل.

والملاحظ حقيقة ان الرجلين تعمدا عدم الخوض في الموضوعات الخلافية بينهما على الملأ، والعمل على ابقائها خلف أبواب مغلقة! لقد سبق ان قلنا في مقال سابق أن أي حديث علني عن مسألة المقاربة السياسية الواجب اعتمادها في العراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة ؛ أو عن بقاء القوات الامريكية في العراق مستقبلا، او عن تحجيم الدور الايراني في العراق، سوف تحدث انقساما شيعيا ـ شيعيا قد يزيد من إضعاف العبادي! لذلك حرص الطرفان على عدم الحديث علنا عن هذه المسائل تحديدا. وتحديدا موضوع الميليشيات العاملة تحت عنوان الحشد الشعبي، التي يرتبط وجود غالبيتها، عقائديا، وتنظيميا، بإيران، والتي يمكن ان تشكل خطرا جديا على الوجود الامريكي المستقبلي نفسه وخطرا على أي مقاربة عقلانية للحل السياسي في العراق يضمن إعادة هيكلة النظام السياسي ويضمن الشراكة في السلطة وهي المعالجة الوحيدة المتاحة للمقدمات التي انتجت ظاهرة داعش ؛ أو قد تشكل خطرا على القرار الخاص بالعلاقة مع إيران.

لقد كانت إيران ثيمة اساسية في الحملة الانتخابية للرئيس ترامب، وقد تشكلت الإدارة الامريكية بمجملها تقريبا على عامل مشترك رئيس يتعلق بالموقف المتشدد من إيران. وإذا كان الملف النووي الايراني سيد المشهد في مرحة الانتخابات، فان التهديد الايراني للمنطقة، بدأ تسويقه أمريكيا أيضا بعد دخول ترامب للبيت الابيض. وليس من المنطقي ان يتم تجاهل هذا كله في لقاء الرئيس الامريكي مع أهم حليف لإيران في المنطقة! وقد سبق ان أشرنا إلى أن اللعبة المزدوجة التي لعبها الفاعل السياسي الشيعي طوال سنوات ما بعد 2003، والتي استندت إلى ادراكه بحقيقة ان امريكا مضطرة للتعاطي مع الفاعلين السياسيين الشيعة المرتبطين بإيران في ظل الحرب المفتوحة على الامريكيين بعد الاحتلال؛ مع كل ما يترتب على ذلك من قبول إيران شريكا فاعلا في العراق! بل أن الولايات المتحدة اضطرت إلى القبول بدور هامشي في العراق بعد سحب قواتها منه في نهاية العام 2011، ومع دخول العراق طرفا في الاستقطاب، وصراع الخنادق القائم في المنطقة، بعد اندلاع الثورة السورية. الحقيقة أن هذه اللعبة المزدوجة لم تعد صالحة في ظل الإدارة الامريكية الجديدة، والجميع يعلم ذلك، بما فيها إيران نفسها.

وعلى الرغم من غياب استراتيجية واضحة للولايات المتحدة في العراق حتى اللحظة، تبقى البدائل محدودة جدا امام السيد العبادي، خاصة مع التحول النوعي في الموقف السني الذي يبدو اليوم أكثر ترحيبا بدور امريكي فاعل في العراق، لمواجهة التغول الايراني، وفي ظل العلاقات الأمريكية ـ الكردية التي بدأت تأخذ إطارا استراتيجيا بمعزل عن الحكومة المركزية في بغداد. وهو ما سيفرض على الجميع القبول بقواعد لعبة جديدة كليا لم تظهرها الصورة الوردية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.