من هو المتورّط في قتل متظاهري بغداد؟ / بقلم: حسن الشنون

 

قد يضع العنف، الذي مُورس ضدّ المشاركين في التظاهرات التي انطلقت السبت في 11 شباط/فبراير من عام 2017، بدعوة من زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر للمطالبة بحلّ مفوضيّة الإنتخابات المتّهمة بالفساد، البلاد على مفترق طرق، ويدخلها في أزمة سياسيّة يصعب الخروج منها.

 

يتّهم الصدريّون الحكومة بالإيعاز إلى قوّات مكافحة الشغب باستخدام العنف ضدّ المتظاهرين، وهو ما أدّى إلى مقتل 5 متظاهرين وعنصريّ أمن، وإصابة أكثر من 320 شخصاً. ثمّ قُصفت المنطقة الخضراء بقذائف هاون من قبل أتباع الصدر، بينما دان الصدر العنف ضدّ المتظاهرين وإطلاق الصواريخ كليهما.

 

ومع تصاعد حدّة الخلافات والاتّهامات المتبادلة بين التيّار الصدريّ والحكومة العراقيّة واتّساع الهوّة بينهما، دعا رئيس مجلس النوّاب سليم الجبّوري، الإثنين في 13 شباط من عام 2017، إلى تشكيل لجنة تحقيقيّة برلمانيّة مهمّتها الوقوف عند ملابسات ما جرى بدقّة من استهداف للمتظاهرين، منبّهاً إلى ضرورة حماية “المتظاهرين والتعامل مع التظاهرات السلميّة، بعيداً عن العنف والقوّة”.

 

وفي الوقت الذي يتّهم مناهضو مظاهرات الإصلاح قيادة التيّار الصدريّ بتحريك الشارع العراقيّ وتعبئته باتّجاه استهداف مؤسّسات الدولة عبر شعارات الإصلاح، يسمّي الصدريّون العناصر الأمنيّة التي اعتدت على المتظاهرين بالولاء لــــ”جهات سياسيّة تكنّ العداء لأبناء التيّار الصدريّ والشعب العراقيّ”.

 

اتّهامات الصدريّين لزعيم إئتلاف دولة القانون نوري المالكي بالتأثير على أجهزة أمنيّة معيّنة واستخدامها لقمع المتظاهرين، سبقتها اتّهامات مماثلة أطلقها عضو التحالف المدنيّ الديموقراطيّ النائب فائق الشيخ لنوري المالكي وعدد من قياديّي حزب الدعوة بالاستفادة من مجلس مفوضيّة الإنتخابات الحاليّ، وعرقلة استبداله لوجود تمثيل واسع لحزب الدعوة في مجلس المفوّضين.

 

ولكن هذه الاتّهامات رفضتها النائبة عن دولة القانون نهلة الهبابي في مقابلة مع “المونيتور”، “جملة وتفصيلاً”، وقالت: “ما جرى هو تجاوز لبعض المندسّين في القوات الأمنيّة التي سعت إلى حماية نفسها بأيّ شكل من الأشكال”.

 

أضافت: “لا دخل للمالكي في تظاهرات السبت، كما يروّج لذلك بعض الأشخاص”. وتابعت: “إنّ التظاهرات شهدت فوضى وشبه انفلات، والأجهزة الأمنيّة قامت بحفظ الأمن والنظام، وهو من صلب واجبها”.

 

وعن شرعيّة مطالبة الصدر في 2 يوليو/تمّوز من عام 2016، بتغيّر مفوضيّة الإنتخابات عبر تحريك الشارع، رأى الخبير السياسيّ عبد القادر العرسان أنّ “ما يجري هو صراع إرادات وتغليب جهة على حساب أخرى، ولا علاقة لهذا الصراع بأيّ عمليّة إصلاحيّة”، وذلك لأنّ “الصدريّين هم شركاء أساسيّون في العمليّة السياسيّة، ولديهم ممثلون في مفوضيّة الإنتخابات، فكيف يمكن المطالبة بإصلاح مؤسساتيّ لمؤسّسة هم يمثّلون جزءاً منها”.

 

تعقيدات المشهد الأمنيّ والسياسيّ في العراق وسهولة اختراق التظاهرات ذات الصبغة الإصلاحيّة من الجماعات المناهضة، دعت رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي الثلثاء في 14 شباط/فبراير من عام 2017 إلى الإقرار بوجود محرّضين دفعوا ببعض المتظاهرين إلى الإحتكاك بالقوّات الأمنيّة.

 

وسأل حيدر العبادي خلال مؤتمره الصحافيّ الأسبوعيّ عن الجهة المستفيدة من إحراق الشباب وزجّهم بمهاترات سياسيّة”، داعياً إلى “الإلتزام بحقّ التظاهر السلميّ والكشف عن الجهات التي تمارس الأذى ضدّ المواطنين الأبرياء”.

 

ويهدّد الواقع السياسيّ والأمنيّ الحاليّ في العراق بالعودة إلى أصعب مرحلة مرّت بها البلاد خلال عام 2006، عندما أنتجت الخلافات السياسيّة والتدخلات الإقليميّة صراعاً مذهبيّاً وحرباً بين أبناء الطائفة الواحدة استمرّت طويلاً.

 

وفي هذا الإطار، قال النائب عن كتلة الأحرار عبد العزيز الظالمي في حديث لـ”المونيتور”: “إنّ استمرار تظاهرات الإصلاح يهزّ عروش بعض القوى السياسيّة المتنفّذة، ويقف حائلاً أمام تحقيق ما تتطلّع إليه من مآرب سياسيّة”. ووصف ما جرى للمتظاهرين بأنّه “جريمة يندى لها الجبين، وتجاوز على الدستور الذي ضمن حقّ التظاهر وحريّة التعبير”.

 

وفي المقابل، أعربت النائبة عن التحالف المدنيّ الديموقراطيّ شروق العبايجي في اتّصال هاتفيّ مع “المونيتور” عن قلقها من عدم اتّخاذ الحكومة موقفاً حازماً تجاه قمع المتظاهرين، وقالت: “هناك جماعات مسلّحة تابعة لأحزاب معروفة، أو قد تكون مسجّلة في الحشد الشعبيّ، قد تكون هي ذاتها الجهات المتضرّرة والمتّهمة بقمع المتظاهرين”.

 

اتّهامات فصائل الحشد بقمع المتظاهرين سرعان ما ينفيها القياديّ في الحشد الشعبيّ ريان الكلداني، الذي رأى أنّ الحشد قوّة أمنيّة، ولا يتدخّل في الخلافات السياسيّة. ونفى ريان الكلداني في حديث لــ”الموينتور”، “وجود فصائل للحشد داخل العاصمة بغداد”، وقال: “كلّ الفصائل تقاتل في ساحات القتال وتمسك بعض المناطق الخطرة في حزام بغداد”.

 

ويمكن أن يلعب الخلاف السياسيّ بين التيّار الصدريّ والحكومة دوراً سلبيّاً في تحديد شكل العلاقة الإئتلافيّة، التي تسبق الإنتخابات البرلمانيّة المزمع عقدها في أيلول/سبتمبر من العام الجاري. وفي هذا الإطار، أقرّ مستشار رئيس الجمهوريّة للشؤون القانونيّة أمير الكناني بإمكانيّة أن “تلعب الخلافات دوراً كبيراً في أحداث كهذه بتغيير شكل العلاقة السياسيّة”، متسائلاً عن” المبرّر الذي سمح للحكومة باستخدام العنف المفرط تجاه المتظاهرين”.

 

ودعا أمير الكناني، وهو نائب سابق في كتلة الأحرار، في حديث مع “المونيتور”، الحكومة ومجلس النوّاب إلى “إجراء تحقيق صادق وشفّاف بجريمة إعطاء الأوامر لقتل المتظاهرين ووضع ما يتمخّض عن هذا التحقيق أمام رئاسة الجمهوريّة والمنظّمات الحقوقيّة الأخرى”.

 

وانتقد المستشار القانونيّ لرئيس الجمهوريّة فؤاد معصوم ما يسمّيها “ظاهرة تعدّد مصادر القرار في الأجهزة الأمنيّة وضياع الهويّة الحقيقيّة لتلك الأجهزة المكلّفة بحفظ الأمن”، داعياً رئاسة الحكومة إلى “تسليم الملف الأمنيّ في العاصمة إلى وزارة الداخليّة حصراً، ومحاسبة الجهات التي انتهكت القانون وأطلقت الرصاص الحيّ لمنع تكرار حالات كهذه”.

 

وإذا لم يتوصّل الشركاء السياسيّون إلى اتّفاق حول طريقة إدارة الدولة وبناء مؤسّساتها، فإنّ جولة أخرى من العنف والتصعيد اللفظيّ والإعلاميّ قد تشهدها المرحلة المقبلة، لا سيّما أنّ لدى جميع الشركاء أجنحة مسلّحة يمكن أن تتصادم في ما بينها بأيّ وقت.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.