المجلس الأعلى يغالب أزمته الحادة بوجوه قديمة وشعارات مستهلكة / العرب / رصد عراقيون

 

المجلس الأعلى الإسلامي، كأحد أكبر مكوّنات التحالف الشيعي الحاكم في العراق دخل، بانشقاق عمار الحكيم عنه ورفعه شعار التجديد بيافطات مغرية، في أزمة حادّة يحاول الخروج منها بالاستنجاد بحرسه القديم وبشعاراته المستهلكة التي لم تعد تغري القسم الأكبر من العراقيين المهمومين بقضايا معيشهم اليومي الصعب وأمنهم المفقود ومستقبلهم الغامض.

 

 

كل في طريق

يحاول المجلس الأعلى الإسلامي، أحد أكبر التشكيلات السياسية الشيعية المشكّلة للتحالف الوطني الحاكم في العراق إعادة ترميم صفوفه بعد الضربة القاصمة التي تلقاها بانشقاق عمار الحكيم عنه وتأسيس حركة جديدة تحت مسمّى تيار الحكمة.

 

وأعلن المجلس، الأحد، عن انتخاب همام حمودي رئيسا له، وباقر الزبيدي وجلال الدين الصغير مسؤولين لمكتبيه التنظيمي والتنفيذي، داعيا أنصاره في بيان للاستعداد لـ”مرحلة جديدة”.

 

ويعتبر مختصّون في شؤون الأحزاب الدينية في العراق حمودي شخصية مغمورة بلا تاريخ سياسي فعلي، فيما باقر الزبيدي وجلال الصغير مصنّفان ضمن ما يعرف بالحرس القديم ذي الصلات الواسعة بإيران والحريص على الحفاظ على صلات وثيقة للمجلس بطهران التي كانت قد احتضنت تأسيسه في ثمانينات القرن الماضي.

 

ويرى هؤلاء أنّ المجلس أصبح عمليا في حالة احتضار، ليس فقط بانسحاب الوريث الحامل لإرث أسرة الحكيم المؤسسة له، ولكن بفعل الفرز الحاد الذي حدث داخله بين التيار الشبابي التجديدي الذي يعلن الحكيم قيادته بيافطات مغرية عن المصالحة الوطنية وعبور الطائفية، وتيار المحافظين المتمسّكين بتعاليم المراجع والمتبنين لمبادئ ولاية الفقيه على الطريقة الإيرانية.

 

وأراد الحكيم بانشقاقه عن المجلس وتأسيسه تياره الجديد اللعب على أوتار النقمة المتعاظمة بين صفوف العراقيين وخصوصا الجيل الشاب على الطبقة السياسية التي حكمت العراق في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي وانتهت تجربتها إلى فشل ذريع وتراجع حادّ للدولة العراقية على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

 

وعلى اعتبار المجلس الأعلى الإسلامي إحدى أكبر الحركات المشكّلة للتحالف الوطني الشيعي الحاكم، فإن صورته لدى العراقيين باتت لصيقة بذلك الفشل، فضلا عن تهم الفساد التي تلاحق كبار قادته. ويمكن اعتبار قفز الحكيم من مركب المجلس جاء في لحظة حاسمة قبل غرقه.

 

ويبدو العراق خلال الفترة الحالية مقبلا على مرحلة انتقالية، هي مرحلة الخروج من الحرب على تنظيم داعش والتي ساهمت رغم ما خلّفته من خسائر كبيرة ومن دمار هائل في تعرية الكثير من الحقائق وأكثرها وضوحا استحالة مواصلة حكم البلد وقيادته بذات السياسة التي أوصلته إلى حافّة الانهيار، وبذات الشعارات الدينية وحتى الطائفية التي لم تعد تعني شيئا للجيل العراقي الصاعد.

 

وبغض النظر عن مدى نجاح عمّار الحكيم في تسويق شعاراته “التجديدية” بين صفوف الشباب العراقي، إلاّ أن متابعين للشأن المحلّي يؤكّدون أن تياره سيخصم القسم الأكبر من الرصيد الجماهيري للمجلس الأعلى خصوصا وأنّ الأخير عرض قيادة من الوجوه المستهلكة.

 

وأوردت الهيئة القيادية للمجلس، الأحد، في بيان القول إنّه “بعد مسيرة دامت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن واكب فيها المجلس الأعلى الإسلامي العراقي حركة التحرر للشعب العراقي منذ حكم نظام البعث البائد ومنذ انطلاق التحرك على يد مفجر الثورة الإسلامية في العراق آية الله العظمي الشهيد السيد محمد باقر الصدر واستمرار هذه النهضة بقيادة شهيد المحراب آية الله العظمي السيد محمد باقر الحكيم، قدم المجلس الأعلى التضحيات الكبيرة في قوافل الشهداء والدماء الزكية وفي مقدمتها دم شهيد المحراب الخالد وديمومة المسيرة على يد عزيز العراق خدمة للوطن ودفاعا عن حقوق الشعب العراقي في حياة كريمة حرة”.

 

وتوضّح هذه الديباجة تمسّك المجلس باستخدام شعارات قديمة، وتسويق رموز لم تعد تعني الكثير للعراقيين المشغولين بقضايا صعوبة المعيش اليومي وانعدام الأمن وانسداد آفاق المستقبل، مع حالة شبه الإفلاس الاقتصادي التي يواجهها العراق في ظلّ التراجع الحادّ في أسعار النفط مصدر الدخل الرئيسي للبلد.

 

وأضاف ذات البيان أنه “في ضوء المستجدات الأخيرة للمجلس الأعلى وإيمانا بضرورة مواصلة مسيرة المجلس وتيار شهيد المحراب في خدمة أبناء الشعب العراقي، عقدت الهيئة القيادية وعدد من أعضاء المكتب السياسي اجتماعا اليوم في العاصمة بغداد وتداولت الأسماء المرشحة للتصدي لمواقع الخدمة في المجلس الأعلى”.

 

وأشار البيان إلى أن الهيئة “قررت انتخاب الشيخ همام حمودي رئيسا للمجلس الأعلى، واستمرار الشيخ محمد تقي المولى في مسؤوليته لرئاسة الهيئة العامة للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي”، لافتا إلى “انتخاب باقر جبر الزبيدي مسؤولا للمكتب التنظيمي للمجلس، والشيخ جلال الدين الصغير مسؤولا للمكتب التنفيذي”.

 

وأوضح أنه سيتم “عقد اجتماع للهيئة العامة للمجلس الأعلى في الأيام القادمة للمصادقة على هذه القرارات ومناقشة بقية المواقع والمسؤوليات الأخرى التي نص عليها النظام الداخلي للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي”، داعيا “أبناء وبنات تيار شهيد المحراب إلى الاستعداد للانطلاق بمرحلة جديدة سنعلن عن برنامجها لاحقا”.

 

ويعتبر مراقبون أن أزمة المجلس الأعلى تتجاوزه بحدّ ذاته لتشمل تجربة حكم برمّتها يبدو أنّها وصلت نهايتها الطبيعية بعد أن ثبت فشلها التام على أرض الواقع. ويرون، استنادا إلى ذلك، أن متوالية من الانشقاقات ستجتاح مختلف التيارات والأحزاب الدينية العراقية السنية والشيعية على حدّ سواء، كمحاولة ضرورية لتغيير الجلود وتبديل اليافطات التي لم تعد تثير اهتمام أحد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *