المالكي يشاغب على العبادي في معركة الموصل  / هارون محمد

 

أمام حيدر العبادي فرصة لا تعوض، لإدامة زخم معركة الموصل التي تحدد مستقبل الصراع مع تنظيم داعش في العراق، والانتصار في هذه المعركة وحده من يضمن مستقبله السياسي.

 

في الوقت الذي ينشغل الجهد الهندسي والقوات العسكرية في تطهير أحياء جانب الموصل الأيسر من العبوات المزروعة والبيوت المفخخة التي خلفها تنظيم داعش عند طرد مسلحيه، اندفعت مجموعات شيعية فوضوية من الحشد الشعبي وفدت إلى المنطقة من خارجها كما هو واضح من لهجة أفرادها وهم يحملون رايات ولافتات طائفية، كانت أقبحها تلك الأصوات المبحوحة أمام الجامع الكبير (جامع صدام سابقا)، التي بشّرت بوصول دولة الإمام علي بن أبي طالب إلى أم الربيعين، في لقطة كاريكاتيرية وكأن الموصل بتاريخها المضيء وعمق حضارتها وصمود أهلها، إحدى قرى الكوفة أو ضيعة في كربلاء، يتبارى فيهما المعممون والملالي في خطبهم الغوغائية، دون أن يفقهوا أن مثل هذه الحركات البهلوانية تسيء إلى الخليفة الراشدي الرابع، وتقحم اسمه الجليل في مسرحية هزلية.

 

إنها واحدة من صور الابتذال الطائفي التي تمارسها ميليشيات الحشد الشعبي ضد الموصل التي مازال جانبها الأيمن يئن تحت وطأة احتلال مسلحي تنظيم داعش، الذين تتردد أنباء عن وصول تعزيزات لهم عبر القطاع الغربي وتحديدا من قضائي تلعفر والبعاج، المتصلين بالحدود السورية عبر طريقين بريين، مازالا تحت سيطرة التنظيم، ولم تنجح جحافل الحشد في استردادهما، رغم مرور أربعة أشهر على بدء العمليات العسكرية فيهما، الأمر الذي عقّد معركة تحرير الموصل بجانبيها، وزاد من صعوبة تحرير أقضية ونواحي وقرى تلعفر وسنجار وربيعة واليعربية والبعاج، وصولا إلى الأراضي السورية.

 

ومنذ التخطيط لمعركة تحرير الموصل، التي شارك فيها قادة عسكريون من العراق والولايات المتحدة، على مدى عشرة شهور من العام الماضي، لاحظ المخططون أن أكبر خطأ ارتكبه رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة السابق نوري المالكي، كان في استسلامه تماما لإرادة تنظيم داعش، وعدم اتخاذ إجراءات كان من الضروري القيام بها لوقف احتلاله لمحافظة نينوى بالكامل ومنع زحفه شرقا باتجاه إقليم كردستان، وجنوبا نحو محافظة صلاح الدين وشمال الأنبار.

 

وقد اعترف الأميركان، في تقارير منشورة ومعلنة، بأن التنظيم استغل الفراغ العسكري الذي تركته القوات الحكومية بانسحابها من مدينة الموصل وإخلاء محافظة نينوى، بالتمركز في المدينة التي حوّلها إلى غرفة عمليات مركزية، واحتلال جميع مدن المحافظة بالتدريج، وتبيّن أيضا أن تكريت وباقي بلدات محافظة صلاح الدين سقطت عقب احتلال الموصل بثلاثة أيام نتيجة انسحاب قوات الجيش والشرطة منها تنفيذا لبرقيات من المالكي ووكيل وزارة الداخلية الأسبق عدنان الأسدي، دون قتال الخلايا المسلحة القليلة التي كانت على شكل مفارز أكبرها كانت تتألف من خمسة أفراد وسيارة بك آب. وثمة معلومات توصلت إليها لجنة التحقيق في أحداث قاعدة تكريت الجوية “سبايكر” تعصر القلوب ألما، عندما تنجح ثلاث مفارز لداعش في بسط سيطرتها على الطريق الرابط بين القاعدة ومركز مدينة تكريت وطوله 14 كيلومترا، وأسر قرابة ألف وخمسمئة متطوع، كانت القيادة العسكرية في بغداد قد أرسلتهم على عجل ودون سلاح لمنع سقوط المدينة كما زعمت.

 

لقد كشفت معارك تحرير الجانب الأيسر من الموصل، أن تنظيم داعش استثمر خلو المدينة من القوات الأمنية والعسكرية الحكومية، وعمل، على راحته، في تثبيت مقرات وحفر أنفاق وخزن أسلحة ضخمة وقعت في أيادي مسلحيه وتوزيع الدبابات والمدرعات التي غنمت في الأزقة ومفترقات الطرق، دون أن يواجه مقاومة ولو بسيطة، بعد أن جرد جنرالات المالكي الموصليين من أسلحتهم الشخصية، حتى أن عقيدا متقاعدا يدعى يونس أبوسلام، أبلغ ضباطا في حرس نينوى، بأن الدواعش احتلوا الجانب الأيسر، في العاشر من يونيو 2014 باستعراض عسكري في شوارعه بسبع عجلات، وأنه بكى من شدة حزنه، لأنه لو كان يملك عشر قنابل فقط لتمكن من تدمير العجلات السبع ومن فيها، وصب جام غضبه على الفريق مهدي الغراوي قائد عمليات الموصل السابق، دون أن يدرك أن الأخير – وهذا ليس دفاعا عنه – كان مجرد أداة تنفيذ استخدمها المالكي في تمرير مؤامرته ضد المدينة القومية التي لم ترضخ لأجندته الطائفية.

 

والآن ومن خلال الأحداث السياسية التي تشهدها بغداد، فإن أكبر المتضررين من تحرير الموصل، هو المالكي الذي لا يهضم أن يقال غدا أو بعـد غد، إنه خسر المـوصل، وجاء عضو في حزبه اسمه حيدر العبادي وأشرف على معارك تحريرها وتمكن من تخليصها من الدواعش المحتلين، لذلك يعمد صاحب صيحة “ما ننطيها” إلى اختلاق عقبـات سيـاسية وأخرى معـرقلة تشغل رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة عن معركة الموصل، والمالكي نفسه لا غيره من حرّض قادة الحشد الشعبي على مشـاركة ميليشياتهم في المعـركة، ولما وجد أن الأميـركان مصرون على استبعـادها، ضغط على العبادي ليوافق على نشرها في القاطع الغربي وتحديدا في محور مدينة تلعفر، حيث تتعرض إلى هجمات متواصلة من الـدواعش منعتها من الـوصول إلى المدينة وألحقت بها خسائر بشرية كبيرة، حتى أن زعيم ميليشيا بدر، هادي العامري، أبلغ زملاء له من أعضاء مجلس النواب، أنه بات يخجل من زيارة مجالس الفاتحة التي تقام على أرواح الضحايا واللقاء بذويهم وتقديم التعازي لهم، بعد أن سمع تعليقات جارحة في مناسبات سابقة، أقلها “يا قاتل ولدنا”.

 

أمام حيدر العبادي فرصة لا تعوض، لإدامة زخم معركة الموصل التي تحدد مستقبل الصراع مع تنظيم داعش في العراق، والانتصار في هذه المعركة وحده من يضمن مستقبله السياسي، أما إذا استمر في مجاملاته مع نوري المالكي، الذي يتضايق من نجاح قيادته العسكرية في الموصل، فإن شهورا قاسية مقبلة عليه، قد تضعضع مكانته وتطيح به، إذا لم يتدارك خطر المالكي عليه ويضعه في حجمه الحقيقي.

 

كاتب عراقي

هارون محمد

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *